الأربعاء، 31 أغسطس 2011

ما هي حقيقة السلاح النووي "الإسرائيلي"؟/ محمود كعوش


وكيف تعاطت "إسرائيل" مع ملفها النووي منذ بناء مفاعل "ديمونا" في عام 1958 وحتى الآن ؟
ما نشره الإعلام الصهيوني مؤخراً أوحى لبعض صناع القرار والكتاب والصحافيين العرب بأن السلاح النووي "الإسرائيلي" كان قد استحوذ على حيز كبير من المباحثات التي أجراها رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن في الأسبوع الأول من شهر تموز الماضي، خاصة وأن هذا الإعلام أقدم ولأول مرة على الإشارة بشكل مباشر إلى هذا السلاح وألمح إلى أنه كان محل نقاش وبحث مستفيضين بين الرجلين.
وزاد الطين بلة أن صناع القرار والكتاب والصحافيين هؤلاء شرعوا فعلياً في مراهنات جديدة على إدارة الرئيس باراك أوباما، معللين ذلك بأن الموقف الأمريكي قد أصبح محكوماً بالربط بين التصدي للمشروع النووي الإيراني وبين حل القضية الفلسطينية والحصول على دعم دولي لموقف الولايات المتحدة بالنسبة لنزع السلاح النووي، بحيث بات من المتعذر على واشنطن أن تتجاهل الترسانة النووية "الإسرائيلية" في الوقت الذي تواصل فيه محاربة المشروع النووي الإيراني!!
ومن المؤسف أن هؤلاء قد نسوا أو تناسوا أن نتنياهو حاله كحال جميع رؤساء الحكومات "الإسرائيلية" السابقين مع الرؤساء الأميركيين الذين توالوا على السلطة في البيت الأبيض سعى لدى الرئيس باراك أوباما خلال زياراته الرسمية لواشنطن للحصول على تجديدات للتعهدات الأمريكية التي كان قد قدمها الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في عام 1969 إلى رئيسة الوزراء "الإسرائيلية" في حينه غولدا مائير، والتي تضمنت التزاماً بأن لا تقوم الولايات المتحدة بممارسة ضغط على "إسرائيل" من أجل ضمها إلى "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية" مقابل أن التزام "إسرائيل" بعدم الإعلان عن حيازتها لهذا النوع من السلاح وعدم القيام بإجراء تجارب نووية.
وكان هؤلاء وعلى إثر اجتماع مماثل لنتنياهو وأوباما جرى في واشنطن أيضاً في وقت سابق من العام الجاري قد أشبعونا صخباً وضجيجاً عن عمق الخلافات "الإسرائيلية" - الأمريكية، عندما ادعوا أن هذه الخلافات لم تشهدها العلاقات بين تل أبيب وواشنطن منذ ثلاثة عقود ونصف، وأنها كانت تنذر بتحولات إستراتيجية في السياسة الأمريكية في المنطقة. ولعلنا لم نزل نذكر حملة التطبيل والتزمير التي قادها صناع الرأي والقرار والصحافة والأعلام في الوطن العربي عقب الخطاب الذي ألقاه الرئيس باراك اوباما في جامعة القاهرة في شهر حزيران 2009.
لكن ولحسن الحظ أنه لم يطل فأل المراهنين على الإدرارة الأميركية كثيراً إذ فاجأهم الرئيس أوباما بتحذير من مغبة توجيه أصابع الاتهام "لإسرائيل" بسبب برنامجها النووي الذي على حد قوله لم تعترف أبدا بوجوده، منذراً بأن مثل هذا الاتهام يمكن أن يعرقل تنظيم مؤتمر دولي حول شرق أوسط خال من السلاح النووي مقرر في عام 2012. وقد ترافق تحذير أوباما مع تأكيد بأن الولايات المتحدة تنوي العمل على فرض عقوبات جديدة على إيران لإقناعها بوقف أنشطتها النووية. ووجه أوباما تحذيره في السادس من شهر تموز الجاري ، في بيان تطرق إلى محادثاته مع رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نيتانياهو في البيت الأبيض، حيث جاء في بيان الرئاسة أن: "الرئيس حرص على الإشارة إلى أن المؤتمر يمكن أن يعقد فقط في حالة شعرت كل الدول بثقة كافية للمشاركة فيه". وحذر أوباما أيضا من أن أية محاولة لاستهداف "إسرائيل" ستجعل آفاق عقد مثل هذا المؤتمر بعيدة الاحتمال.
وكان قد تقرر في شهر أيار الماضي أن يُعقد مؤتمر حول شرق أوسط خال من السلاح النووي، وذلك خلال مؤتمر متابعة معاهدة الحد من الانتشار النووي الذي نظمته الأمم المتحدة في نيويورك. وقد أكد المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي على ضرورة أن تنضم "إسرائيل" إلى المعاهدة وأن تضع منشآتها النووية كافة تحت الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولم يعترف "الإسرائيليون" أبدا أنهم يمتلكون القنبلة النووية، ويرفضون الانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي.
وفي ختام محادثاته مع نيتانياهو، قال الرئيس الأمريكي إنه أكد لرئيس الحكومة "الإسرائيلية" أن السياسة الأمريكية في مجال انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط "لم تتغير"، موضحاً أن الولايات المتحدة مقتنعة تماما بأنه نظرا إلى حجمها وتاريخها والمنطقة التي توجد فيها والتهديدات التي تواجهها، فإن "إسرائيل" تحظى بواجبات استثنائية في مجال الأمن. وعلى إثر محادثات في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض خصصت للملف النووي الإيراني بين أوباما ونيتانياهو، أكد الرئيس الأمريكي أن بلاده ستواصل الضغط على إيران، حيث قال "إننا ننوي إبقاء الضغط على إيران لتفي بالتزاماتها الدولية وتوقف سلوكها الاستفزازي الذي يجعل منها تهديدا لجيرانها وللمجتمع الدولي". يذكر أن الولايات المتحدة كانت قد شددت على ضرورة أن يفرض مجلس الأمن الدولي في شهر حزيران الماضي عقوبات جديدة على إيران في محاولة لإقناعها بوقف أنشطتها النووية.
السلاح النووي"الإسرائيلي" بين الغموض والوضوح
منذ بناء مفاعل "ديمونا" النووي في عام 1958 وحتى الآن، عملت "إسرائيل" على انتهاج منطق الغموض والتضليل فيما يتعلق بمسألة امتلاكها للسلاح النووي. وهي منذ ولادتها القيصرية في خاصرة الوطن العربي قبل اثنين وستين عاماً اتخذت من سياسة التخويف والترهيب أسلوباً ثابتاً لها، على أمل أن تحقق ما تدعيه ردعاً ضرورياً ومُلحاً، أي ردع الأمة العربية عن استعادة حقوقها ومنعها من الدفاع عن وجودها حاضراً ومستقبلاً أو التفكير في مصالحها الوطنية والقومية. وقد دللت جميع الدراسات والأبحاث الخاصة بالسلاح النووي "الإسرائيلي" على أن "إسرائيل" عملت على تطويع منطق الغموض والتضليل بكل ما اكتنفه من مفردات وعبارات رمادية وأدوات ومتطلبات "ضرورية" لخدمة هذه السياسة التي ارتكزت على عدم تأكيد أو نفي امتلاكها للسلاح النووي، كما وأن تلك الدراسات والأبحاث أظهرت أن قادتها تعمدوا على الدوام الإيحاء للعالم بأنها تمتلك ترسانة نووية ضخمة وأن خيارها النووي قائم طالما أن المخاطر محدقة بها من جيرانها!!
وخدمة للدعاية "الإسرائيلية" في هذا الشأن والترويج لسياسة التخويف والترهيب، جند هؤلاء القادة العديد من الإعلاميين "الإسرائيليين" والغربيين المؤيدين "لإسرائيل" والمعادين للعرب والمسلمين. وغالباً ما كان ذلك يعبر عن نفسه إما من خلال التلميح المتعمّد والمباشر إلى هذه الترسانة النووية أو من خلال التلويح المتعمّد والمباشر بالخيار النووي "الإسرائيلي" خدمة لمزاعم الردع الضروري والملح، باعتبار أن سياسة "إسرائيل" النووية كانت وما زالت تقوم على دعامتين أساسيتين: الأولى تحقيق مفاعيل الردع النووي في مواجهة الأعداء والثانية تجنُب دفع ثمن الانتماء العلني لنادي القوى النووية العالمية!!
لكن ثبات العرب الأصيلين والفخورين بانتمائهم على مواقفهم وإصرارهم الجاد على التصدي للنزعة العدوانية والتوسعية "الإسرائيلية" وتشبثهم بالحقوق الوطنية والقومية للأمة والدفاع عن وجودها الذي عبروا عنه من خلال تصعيد حركة النضال الوطني الفلسطيني وخوض حرب تشرين في عام 1973 ومواجهة اجتياح لبنان في عام 1982 وفرض الهروب الكبير والمذل على "إسرائيل" من جنوبه تحت جنح الظلام بعد 22 عاماً من احتلاله "من 1978 إلى 2000" والانتفاضتين الفلسطينيتين المباركتين والمقاومة العراقية البطلة التي أفرزها احتلال العراق وإنزال هزيمة مدوية بالجيش"الإسرائيلي" في عدوانه على لبنان عام 2006 ، أفشل سياسة التخويف والترهيب "الإسرائيلية" المرتكزة على منطق الغموض والتضليل، كما وأكد ثبات الإرادة العربية وصعوبة بل استحالة انكسارها أو انحنائها أمام جميع الخيارات العدوانية "الإسرائيلية" بما فيها الخيار النووي.
ولربما أن تلك الحقيقة استدعت من "إسرائيل" التحول باتجاه تصعيد وتيرة فبركة الأكاذيب والادعاءات المتواصلة والمتلاحقة حول امتلاك العرب والمسلمين سلاحاً نووياً. وقد ساعدها في الترويج لذلك نفوذها القوي داخل الدوائر الأميركية الحاكمة والتعديل "المدروس والمخطط له" الذي أُدخل على السياسة الأميركية مع انتقال العالم إلى القطبية الواحدة والإفصاح عن النزعة الاستعمارية الجديدة للولايات المتحدة بذات الفجاجة والوقاحة المعهودتين فيها، وظل الغرضُ "الإسرائيلي" يتمحور في دائرة تطوير السلاح النووي بذريعة الردع الضروري والملح.
وفي خضم ذلك التحول، بدأت "إسرائيل" تُشيع تارةً أن العراق يمتلك هذا السلاح، وتارة ثانية أن ليبيا بصدد تطوير قُدراتها نووية، وتارة ثالثة أن إيران بصدد التحضير لصناعة القنبلة النووية، وتارة رابعة أن السلاح النووي العراقي انتقل "بسحر ساحر" و"قدرة قادر" إلى سورية. وبين ليلة وضحاها، أصبحت معظم البلدان العربية والإسلامية في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط تمتلك السلاح النووي، وِفقَ الأكاذيب والادعاءات "الإسرائيلية" المصادق عليها زوراً وبهتاناً من قِبل الدوائر الأميركية الحاكمة.
وبالطبع فإن هذه الدوائر الخاضعة لسلطة تيار المحافظين الجدد الذي يهيمن عليه الصهاينة وأعوانهم في واشنطن تحافظ على يقظتها وبقائها جاهزة وعلى أَهبة الاستعداد لتبني الأكاذيب والادعاءات "الإسرائيلية" والترويج لها، والتلويح بالعصا الغليظة من خلال التهديد بأقصى العقوبات التي تتراوح بين المقاطعة والحصار والاجتياح والاحتلال. كما وتبقى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية "N.P.T" لعام 1968 جاهزة هي الأخرى لفرض تطبيقها على البلدان العربية والإسلامية، مع الحفاظ على إبطال مفعولها عندما يتعلق الأمر "بإسرائيل". ومن المهم الإشارة هنا إلى أن "إسرائيل" هي الدولة النووية الوحيدة في العالم التي لم توقع بعد على هذه المعاهدة، وما زالت ترفض السماح لوكالة الطاقة الذرية الدولية بتفتيش مفاعلاتها النووية كي يبقى برنامجها النووي في منأى عن الأنظار.
سبعة أعوام مرت على اجتياح العراق واحتلاله في أكبر خرق سافر وفاضح للشرعية الدولية وأبشع تحدٍ صارخ ووقح للمجتمع الدولي، ولم تتمكن إدارة المحافظين الجدد الأميركية وحكومة العمال البريطانية وكل المتحالفين معهما "بالرضى أو الإكراه"من إقناع العالم بشرعية الجريمة البربرية والبشعة التي اقترفتاها بحق هذا القطر العربي العزيز والغالي على قلوب كل العرب الغيورين على عروبتهم والمخلصين لأمتهم، خاصة وأنه ثبت بطلان "السلاح النووي العراقي" المزعوم كمسوغ أو مبرر للاجتياح والاحتلال بشكل قطعي، وسقط إلى ما لا رجعة. فكل المعطيات أكدت خلو العراق من هذا السلاح، كما وأن جميع الخبراء الدوليين في الشرق والغرب بدءاً بهانس بليكس وانتهاءً بدافيد كاي أثبتوا بالأدلة والبراهين القطعية عدم وجوده فيه منذ "حرب الخليج الثانية" التي حدثت في شهر كانون الثاني من عام 1991، والتي أطلق الوطنيون والقوميون العرب عليها تسمية العدوان الثلاثيني على العراق.
أما ليبيا فقد فتحت كما بات واضحاً ومعلوماً جميع "خزائنها" النووية أمام التفتيش الدولي، وأجازت للطائرات الأميركية نقل المعدات والمواد ذات الصلة بالسلاح النووي الليبي إلى الولايات المتحدة لتأكيد "حسن نواياها" و"انصياعها" للإرادة الدولية. وهي عندما فعلت ذلك فإنما فعلته مضطرة، بعد أن طال الحصار الدولي الظالم عليها وعلى شعبها وطال معه تخلي الاخوة والأشقاء عنها.
وكانت إيران قد سبقت ليبيا إلى تأكيد "حسن النوايا" و"الانصياع للإرادة الدولية" عندما وقعت على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي ووافقت على إخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي. لكنها ظلت تصر على مواصلة عملها أملاً في استكمال خططها وتنفيذ برنامجها النووي الخاص بالأغراض السلمية، الأمر الذي وضعها في مواجهة سياسية ودبلوماسية "كلامية ساخنة ودائمة"مع تل أبيب وواشنطن وحلفائهما في الغرب والشرق، سعت مؤخراً إلى تبريدها عبر التصريحات المفاجئة وغير المألوفة التي أطلقها علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية وأقر فيها ب"المحرقة اليهودية" وأبدى استعداد بلاده للتخلي عن طموحاتها النووية العسكرية "مقابل الأمن لها وللمنطقة والعالم"، على حد تعبيره!!
وبخصوص سورية، فلم يسبق أن تناهى لمسامعنا أنها امتلكت مثل هذه السلاح إلا بعد اجتياح واحتلال العراق وبدء تنامي وتيرة الانتقادات العنيفة للرئيس الأميركي جورج بوش الابن وظله البريطاني توني بلير ودفعهما إلى عُنق الزجاجة على خلفية السلاح النووي العراقي المزعوم، وتعريض المستقبل السياسي لحزبيهما إلى مخاطر حقيقية وجادة عبرت عن نفسها في انتخابات الكونغرس الأميركي الأخيرة وانتخابات مجلس العموم البريطاني قبل ذلك. ولا شك في أن الزعم بامتلاك سورية مثل هذا السلاح من قبل حكام تل أبيب والمحافظين الجدد الذين يسيطرون على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة إنما جاء في إطار ممارسة أقصى الضغوط الممكنة على نظامها في محاولة يائسة لثنيه عن مواقفه الوطنية والقومية الثابتة.
وبالرغم من سيادة منطق الغموض والتضليل على السلاح النووي "الإسرائيلي"، إلا أن خبراء دوليين كثيرين من بينهم بعض "الإسرائيليين" أجمعوا على أن "إسرائيل" ليست دولة نووية فحسب وإنما هي القوة النووية الخامسة في العالم. وقد أكد تلك القناعة استطلاع للرأي العام أجري في "إسرائيل" في عام 1988 إثر تسريب قانون عام 1986 للمعلومات عن المشروع النووي "الإسرائيلي" وأظهر أن أكثر من 50 في المائة من "الإسرائيليين" يعتقدون أن هناك سلاحاً نووياً في بلدهم. كما أكدها استطلاع آخر للرأي العام صدر في مطلع عام 2004 عن "مؤسسة شفاكيم بانوراما الإسرائيلية" المختصة باستطلاعات الرأي والتي تتخذ من تل أبيب مقراً لها دلل على أن 77.4 في المائة من "الإسرائيليين" يعتقدون بأن "إسرائيل" تمتلك سلاحاً نووياً، وأن 81.7 في المائة منهم يشككون بوجود أمنٍ وطني فيها في ظل امتلاكها هذه الأسلحة.
وقد دعم تلك القناعة أكثر فأكثر كشلو موغازيت رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" السابق في وصفه منطق الغموض والتضليل الذي اتبعته بلاده في التعامل مع سلاحها النووي باللعبة الساذجة، وتأكيده أنها إحدى أهم القوى النووية الرئيسية في العالم منذ عشرات السنين. وقد شبه موغازيت كل من ينكر وجود السلاح النووي في "إسرائيل" بمن يغطي عينيه براحتيه ويقول: لا توجد هنا قوة نووية!!
ولربما كان البروفيسور والخبير النووي مردخاي فعنونو أول "إسرائيلي" تجرأ وكشف النقاب عن سر امتلاك "إسرائيل" سلاحاً نووياً. ففي عام 1986 سرب فعنونو الذي تحول عن اليهودية إلى المسيحية واستبدل اسمه الأول باسم جون عامداً متعمداً سبعاً وخمسين صورة لمفاعل ديمونا النووي القائم في صحراء النقب وعدداً إضافياً من الوثائق الخاصة بالبرنامج النووي "الإسرائيلي" إلى صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، الأمر الذي أدي إلى كشف المستور الخاص بلغز الموقع رقم 2 الذي أُطلقت عليه تسمية وكر البلوتونيوم القاتل، والذي تسبب في إحراج كبير"لإسرائيل" أمام الرأي العام العالمي لأنه لم يكن قد مضى في حينه سوى خمسة أعوام فقط على قيامها بالعدوان على مفاعل تموز النووي العراقي المخصص للأغراض السلمية، يُذكر أن الطائرات الحربية "الإسرائيلية" استغلت آنذاك انشغال العراق في حربه مع إيران "إبان حرب الخليج الأولى" فأغارت في 7 حزيران 1981 على المفاعل ودمرته تماماً، مستبقة بذلك موعد افتتاحه الذي كان مقرراً في اليوم التالي.
وفعنونو الذي أُطلق سراحه في نيسان 2004 بعد أن أمضى 18 عاماً في السجون والزنازين "الإسرائيلية" لم يزل حتى الآن قيد الإقامة الجبرية ولم يزل ممنوعاً من السفر حتى إشعار آخر بأوامر من حكومة تل أبيب والقضاء "الإسرائيلي"، خوفاً من قيامه بالكشف عن مزيد من الأسرار الخاصة بالسلاح النووي "الإسرائيلي" وبالذات مفاعل ديمونا، وحتى لا تخرج مسألة امتلاك "إسرائيل" سلاحاً نووياً من دائرة التجاهل وعدم الاهتمام الدولي المتعمد إلى دائرة الوضوح والاهتمام الدولي غير المتعمد، ولكي تبقى سياستها الخاصة بهذه المسألة أسيرة منطق الغموض والتضليل المتبع !!
مئات الكتب والأبحاث والدراسات والوثائق نُشرت حول السياسة النووية "الإسرائيلية" ومفاعل ديمونا النووي الذي يتخذ من باطن أرض صحراء النقب مقراً سرياً له، وقد اعتاد قادة "إسرائيل" منذ بدء العمل بالمفاعل المذكور في عام 1958، كما سبق لي أن ذكرت، على التصريح بين الحين والآخر بأن بلادهم تمتلك سلاحاً نووياً من خلال اعترافات كانوا يطلقونها ثم يتراجعون عنها بذريعة أنها "زلات لسان". وفي كل مرة حدث ذلك، كان يأخذ شكل الخداع المتعمد لخدمة منطق الغموض والتضليل الذي اعتمدته "إسرائيل" في التعامل مع سياستها النووية.
حتى عندما تعهد شيمون بيريز للرئيس الأميركي الديمقراطي الراحل جون كينيدي في ستينات القرن الماضي بأن "إسرائيل" لن تكون البادئة في إدخال السلاح النووي إلى منطقة الشرق الأوسط،، فقد فعل ذلك في ذات الإطار ولخدمة ذات المنطق الذي هو بالأصل مبتدعه، إلى جانب أنه أراد من خلال تعهده اللفظي إعفاء إدارة كينيدي والإدارات الأميركية التي ستعقبها من أي حرج محتمل، في حال طرح الملف النووي "الإسرائيلي" على بساط البحث الدولي!!
ومما لا شك فيه أن اعتراف رئيس الحكومة "الإسرائيلية" السابق أيهود أولمرت أثناء زيارته الرسمية لألمانيا في شهر كانون الأول 2006 بامتلاك بلاده سلاحاً نووياً وتراجعه عن ذلك باعتباره "زلة لسان"، جاء في ذات السياق لتصريحات واعترافات القادة "الإسرائيليين" السابقين، ولم يكن ذلك الاعتراف سوى تأكيد لسر بات معروفاً للقاصي والداني، بعدما انتقل ذلك السلاح من نطاق الغموض والتضليل إلى نطاق التصريح والوضوح!! فذلك الاعتراف الذي جاء في إطار سياسة التخويف والترهيب التي اعتمدها رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على حكم "إسرائيل" أسلوباً ثابتاً لتحقيق ما ادعوه ردعاً ضرورياً وملحاً اكتسب أهمية خاصة لاعتبارين، أولهما أنه توافق مع نشر"المجلة العسكرية الإسرائيلية جينز" ما نسبته إلى خبراء ذرة أفادوا "أن إسرائيل تمتلك بين 150 و200 رأس نووي متفجر يمكن إطلاق بعضها لمدى بعيد بواسطة صواريخ أرض - أرض من طراز يريحو"، وثانيهما أنه أعقب تصريحات لوزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس تحدث فيها عن وجود قدرات نووية "إسرائيلية"، وهو ما فسره المراقبون على أنه جاء في سياق حملة "إسرائيلية" - أميركية مشتركة تستهدف البرنامج النووي الإيراني بشكل خاص.
لم تغب ترسانة السلاح النووي "الإسرائيلي" عن جدول أعمال الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 1980 وإن تم تجاهلها عمداً بعد حرب الخليج الثانية، وذلك بضغط "إسرائيلي" وتغطية سياسية أميركية بذريعة إفرازات تلك الحرب. ولا شك أيضاً أن واشنطن رفضت على الدوام المطالبات العربية الخاصة بوضع المنشآت النووية "الإسرائيلية" تحت رقابة دولية أو قيام منظمة الأمم المتحدة بعملية إزالة أسلحة الدمار الشامل من منطقة الشرق الأوسط بما فيها سلاح "إسرائيل"، وفي كل مرة تقدمت لجنة متابعة الأسلحة النووية "الإسرائيلية" المنبثقة عن الجامعة العربية أو المجموعة العربية في المنظمة الدولية خطوة باتجاه أي من هذين المقترحين، كانت تواجه بالصد الأميركي قبل الصد "الإسرائيلي".
والمؤسف أن واشنطن ظلت بوقاحتها وصفاقتها المعهودتين تطالب سورية باقتفاء أثر ليبيا في معالجة ما زعمت أنه "سلاح نووي موجود لديها"، هكذا على طريقة "تأبط شراً"، علماً أن أركان النظام فيها كانوا على الدوام المُبادرين إلى المطالبة بإخلاء منطقة الشرق الأوسط بما فيها "إسرائيل" بالطبع من السلاح النووي. وهي اليوم تكرر ذلك مع إيران، وتسعى إلى تحقيق ما هو أبعد وأخطر من ذلك بكثير!!
والمفارقة في الأمر أنه في الوقت الذي تمارس فيه واشنطن بدعم من تل أبيب والغرب وبعض بلدان الشرق أيضاً أقصى الضغوط السياسية والدبلوماسية على إيران وتستغل مجلس الأمن الدولي لإجبارها على وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم في مفاعلاتها النووية الخاضعة أصلاً للتفتيش الدولي، تلوذ بالصمت المطبق إزاء السلاح النووي "الإسرائيلي" الذي يشكل تهديداً جدياً وخطيراً لمنطقة الشرق الأوسط وشعوبها، باعتراف الخبراء الإقليميين والدوليين.
يرى البعض ومنهم بيتر هونام الذي أحضر البروفيسور مردخاي فعنونو إلى محرري صحيفة "صنداي تايمز" أن "إسرائيل" ستواصل إنتاج السلاح النووي لكي تبيعه لدول حليفة لا تشكل خطراً عليها. ويرى خبراء آخرون أنها ستواصل تشغيل مفاعل ديمونا لأنها تريد تزويد نفسها بأسلحة نووية أكثر تطوراً بحيث تلبي الرد على ما تزعم أنه "خطر إيراني عليها"، ويتكهن علماء من بينهم فرانك بارنابي بأن "إسرائيل ستتوقف عن إنتاج السلاح النووي لأنها تملك ما يكفي من السلاح المخزن، ولأن المفاعل استهلك نفسه وإذا لم يتم إغلاقه أو تفكيكه بحذر شديد فإن تسرباً واحداً فيه سيتسبب بكارثة كبرى لإسرائيل والمنطقة". ولا يستبعد أصحاب الرأي الأخير أن يكون الوضع المتردي للمفاعل هو السبب الذي ضاعف من عدد المقالات التي بدأت تتحدث عن تفكير قادة "إسرائيل" بالاستعاضة عن منطق الغموض والتضليل بمنطق التصريح والوضوح فيما يختص بسياسة بلادهم النووية واحتمال فتح مفاعل ديمونا أمام التفتيش الدولي في حدود معينة!! ترى من الصادق بينهم في ظل الإصرار الأميركي – "الإسرائيلي" على استهداف إيران سياسياً ودبلوماسياً؟ من الصعب معرفة ذلك، لأن "إسرائيل" ترفض حتى الآن إعطاء الجواب.
محمود كعوش
كاتب وباحث مقيم بالدانمارك
آب / أغسطس 2010

kawashmahmoud@hotmail.com
kawashmahmoud@yahoo.co.uk

أهلاً رمضان...معايشتي للشهر الكريم في بلد اسكندنافي




هنا في الدنمارك حيث أُراد الله لي أن أقيم كلاجئ في البداية وكمواطن في النهاية يعتبر شهر رمضان الكريم وعاداته من أكثر الشهور والوسائط أهمية للمسلمين مغتربين ولاجئين لاعتبارين، أولهما أن البلدان الإسكندنافية بما فيها الدنمارك موطني في الهجرة القسرية هي بمنأى عن العالم الإسلامي حيث تفصلها عن البلدان الإسلامية قارةٌ كاملةٌ هي أوروبا من جهة الجنوب ومساحات واسعة من القارة الأسيوية باتجاه الشرق، وثانيهما أنه إلى جانب أن بلدان اسكندنافيا هي بلدان علمانية فإن نسبة كبيرة من مواطنيها يعتنقون الوثنية ولا تربطهم بالديانات السماوية أية روابط لا من قريب ولا بعيد.
للمسلمين في الدنمارك وجميع البلدان الإسكندنافية، بمن فيهم أنا بالطبع، عاداتهم وطقوسهم الخاصة التي تميِّز قضاءَهم لشهر رمضان عن غيره من شهور السنة، حيث إنه وسيلة تذكير وتذكر للروابط في ما بينهم وبين العالم الإسلامي، إلى جانب كون الشهر مدعاة لإحياء الشعور الديني في نفوسهم.
ففي شهر رمضان يتوجه المسلمون في هذه البلدان بقلوب خاشعة إلى أقرب المساجد إليهم بمجرد الإعلان عن مقدمه، وفي المناطق الخالية من المساجد يلجأوون لاستئجار أماكن للصلاة تسمَّى "المصليات" لأداء الصلوات ولقراءة القرآن الكريم والتلاقي من أجل توطيد الروابط الأسرية وتبادل التهاني. وعادة ما تشهد تلك المصليات إقبالاً خاصًّا من جانب المسلمين في العشرة الأواخر من الشهر الكريم، تماماً كما المساجد.
وهنا لا يقتصر إحياء شهر رمضان على الجهود الأهلية، إذ تشارك منظمات المجتمع المدني الإسلامية في ذلك، وتقوم الجمعيات والنوادي الثقافية والرياضية والروابط الإجتماعية بأنشطة متنوعة تسهم في إضفاء أجواء خاصة للشهر الكريم، تكون في أحيان كثيرة مثار دهشة وإعجاب المواطنين الإسكندنافيين أنفسهم وبالأخص ممن أشهروا إسلامهم في المساجد وعلى أيدي الأئمة الأفاضل المنتشرين في العواصم والمدن الإسكندنافية الرئيسية وعلى أيدي الأئمة والمشايخ الذين يُستقدمون خصيصاً لهذا الشهر.
فالمسلمون في البلدان الإسكندنافية يحييون شهر رمضان المبارك بطريقتين، الأولى هي العبادات، والثانية هي المظاهر الاجتماعية وتحضير المأكولات. فمن ناحية يستقدمون الأئمة والمشايخ من الدول العربية والإسلامية وبخاصة من مصر "بلد الأزهر الشريف" والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة قطر، ومن ناحية ثانية نجدهم يعملون على تهيئة المساجد والمصليات بحيث تستوعب الأعداد الكبيرة من المصلين الذين يرتادونها.
ولربما أن الخدمات الخيرية هي من أبرز المظاهر التي تعبر عن نفسها بتميز ووضوح في شهر رمضان في البلدان الإسكندنافية إن لم تكن أبرزها، حيث تنظم المساجد موائد الرحمن من أجل تنمية المشاعر الدينية الراقية في نفوس المسلمين وبخاصة الجيلين الثاني والثالث.
واللافت للنظر أن المسلمين في هذه البلدان قد حملوا إليها عاداتهم التي توارثوها في مجتمعاتهم الأصلية، فنجد مثلاً انتشار الأكلات العربية على اختلافها وتنوعها، كما وتحرص المتاجر التي يمتلكها عرب ومسلمون على تقديم احتياجات الصائمين من المواد الغذائية طوال الشهر الكريم، الذي جعله الله تعالى فرصةً للتقرب له وللعمل على إحياء المشاعر الإسلامية الراقية ونقلها إلى غير المسلمين في بلدان المهجر.
يواجه المسلمون العديد من المشكلات في هذه البلدان أبرزها ما يتعلق بتحديد موعد بدء الشهر الكريم وما هو متعلق بوضع المسلمين العام وليس في شهر رمضان فحسب. ففيما يتعلق بالنوع الأول من المشكلات نجد أن هناك صعوباتٍ تواجه المسلمين في تحديد موعد بدء الشهر وذلك بسبب الأحوال الجوية التي تنخفض فيها درجة الحرارة وينتشر فيها الضباب بجانب تساقط الجليد معظم العام ما يقلل من إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة، الأمر الذي يستدعي صيام كل منهم على أساس البلد الذي يختار. وغالباً ما يكون على أساس مصر أو المملكة العربية السعودية. ففي النرويج على سبيل المثال، يبدا المسلمون صيامهم مع البلدان العربية والإسلامية التي تبدا الصيام أولاً، وهو ما لا يتوفر في أي بلد اسكندنافي أو غربي آخر تقريبًا.
هذا ويواجه المسلمون في هذه البلدان مشكلةً أخرى، ربما أنها تكون أوضح في أيام الصيف وهي طول فترة النهار، حيث يطول النهار في بعض السنوات إلى فترات قد يصل فيها الصيام إلى 20 ساعةً، وذلك بسبب الموقع الجغرافي لتلك البلدان في أقصى شمال القارة الأوروبية. وهذا الأمر يستدي ضرورة تنظيم العمل واختصار ساعاته بحيث يسهل على المسلمين أداء فريضة الصوم على أن تعوض بعد انتهاء الشهر، إلا أن وجودهم داخل مجتمع غير مسلم يضع بعضهم أمام حقيقة أن بعض أرباب العمل الذين لا يقدرون ظروفهم الدينية يرفضون تخفيض ساعات العمل ولا يسمحون لهم بأداء فريضة الصلاة في أماكن عملهم نتيجة تعصبهم الأعمى وكرههم للإسلام والمسلمين.
يُذكر أن الأخوين الدنماركيين " كلاوس وميجل روث" كانا قد أرجعا، في كتابهما "قنبلة في العمامة" الذي كتباه للرد على جريمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لنبي الرحمة "ص" التي نُشرت في الدنمارك في عام 2005 وتسربت منها إلى بلدان اسكندنافية وغربية أخرى، ذلك الكره إلى جهل كبير عند أقطاب حكومات تلك البلدان بالدين الإسلامي "لأنهم لا ينظرون إليه إلا كدين يصدّر الإرهاب". وكنا قد رأينا في أزمة الرسوم، أن تعصب الغربيين لقيمهم على حساب قيم الآخرين وإغماض أعينهم عن رؤية الحقيقة التي لا تعجبهم جعلاهم يضربون عرض الحائط بقيم الثقافات الأخرى وعلى وجه الخصوص قيم الثقافة الإسلامية.
رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير وأعاده الله على الأمتين العربية والإسلامية بالخير واليمن والبركة.
محمود كعوش
الدنمارك – كوبنهاجن
رمضان 2011

في ذكرى المؤتمر الصهيوني الأول / محمود كعوش




قرن وأربعة عشر عاماً من الإرهاب الصهيوني المتواصل
اعتدنا على أن تطل علينا بعض الصحف الصادرة في تل أبيب من وقت لآخر بمقالات تحذر في افتتاحياتها حكومات
كيان العدو من مغبة ما ستؤول إليه الأوضاع فيه نتيجة سياسة التمييز العنصري الحمقاء التي درجت حكومات هذا الكيان اللقيط على ممارستها ضد الفلسطينيين داخل وخارج ما يسمونه “الخط الأخضر” على مدار الأعوام الأربعة والستين الماضية التي تمثل عمر اغتصاب فلسطين بشكل مخالف لكل القوانين والأعراف الدولية. فأذكر أنه عشية إحياء الصهاينة مرور قرن على رحيل الصهيوني والمنّظر الأكبر للإرهاب تيودور هرتزل في التاسع من شهر تموز 2004، حذرت بعض صحفهم المعروفة من مغبة حدوث كارثة حقيقية قد تهدد الوجود المصطنع للكيان الصهيوني القائم بقوة الحديد والنار فوق ثرى فلسطين منذ عام 1948، إذا ما استمر قادته بممارسة سياسة التمييز العنصري بحق الفلسطينيين الذين كان قد مضى على اغتصاب أراضيهم بالقوة في حينه سبعة وخمسون عاماً.
يومها كانت صحيفة “هآرتس” أكثر وضوحاً ومباشرة من غيرها في الصحافة الصهيونية، إذ قالت في حينه في افتتاحيتها التي خصصتها للمناسبة ما نصه: “إنه يتعين علينا ـ أي على الإسرائيليين ـ القول دون خشية أو تردد أن صهيونية الألفين لن تبقى على قيد الحياة في حال ظل تفسيرها لدولة اليهود على أنها دولة الأبارتهايد التي تتحكم بالفلسطينيين خلافاً لإرادتهم ورغباتهم. ويجب أن نذكر أن معاناة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت احتلال إسرائيل قاسية مثل معاناة يهود أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر. إن مستقبل دولة اليهود مرتبط بمستقبل الشعب الفلسطيني الذي يعيش إلى جانبها وفي داخلها. والحل المنطقي والأخلاقي لهذا لا يمكن العثور عليه في الحلم وإنما في إصلاح الواقع”.
ويمكن لمن يلقي نظرة على أدبيات المنظمات الصهيونية وممارسات هذه المنظمات أن يستدل على أن “الحلم الصهيوني” كان قد بدأ يعبر عن نفسه بشكل سافر واستفزازي مع التئام شمل المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد قبل 114عاماً في مدينة بازل على الحدود السويسرية الألمانية، وتحديداً في شهر آب 1897. ففي ذلك المؤتمر تم وضع الأساس النظري للدولة العبرية، التي قامت فيما بعد على أنقاض فلسطين الحبيبة في قلب الوطن العربي، في ظل خنوعٍ عربي وتواطؤ أممي وتآمرٍ دولي. وقد عرفت الفترة الممتدة بين التاريخ المذكور واللحظة الراهنة محطات خطيرة ومؤلمة كثيرة حاول الصهاينة خلالها تمزيق وتفتيت الوطن العربي واختراق كل خطوطه الدفاعية، بدعمٍ وتأييدٍ مطلقين من الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة. فخيوط الصهيونية التي نُسجت قبل 114 عاماً انتشرت في العالم كالسرطان وتمددت بشكل مدروس ومتسارع لتطال معظم أرجائه، وذلك من خلال استئثارها بزمام الأمور الاقتصادية والإعلامية في غالبية بلدانه وتزعمها للانقلابات العسكرية فيه تمويلاً وتنفيذاً، وامتلاكها لأضخم إمبراطورية مالية تغذت خزانتها من مساعدات المنظمات الصهيونية والجاليات اليهودية والتيارات المسيحية المتصهينة المتعاطفة معها ومن التعويضات الألمانية والمساعدات الأميركية التي ما تزال تتدفق عليها حتى الآن والتي اقتربت من حدود 200 مليار دولار.
انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في المدينة المذكورة بين التاسع والعشرين والحادي والثلاثين من شهرآب 1897 تحت شعار “العودة إلى صهيون”، وأشرف على تنظيمه ورئاسته المفكر والكاتب اليهودي المجري تيودور هرتزل الذي يُعدُ أبو الصهيونية العالمية. وصهيون كما نعرف هو جبل في مدينة القدس الفلسطينية المحتلة. وقد حضره المؤتمر 204 مندوبين يهود، منهم 117 مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة، وسبعون جاءوا من روسيا وحدها. كما حضره مندوبون من القارتين الأميركيتين والدول الاسكندنافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر. وكان مقرراً للمؤتمر أن ينعقد في مدينة ميونيخ الألمانية، إلا أن الجالية اليهودية هناك عارضت ذلك لأسباب خاصة بها مما استوجب نقله إلى مدينة بازل السويسرية. وافتتح الإرهابي تيودورهرتزل المؤتمر بخطابٍ “ناري وعاطفي” كشف فيه عن الهدف الحقيقي من وراء عقده، والذي تمثل بما أسماه “وضع الحجر الأساسي للبيت الذي سيسكنه الشعب اليهودي في المستقبل”! وأعلن في ذلك الخطاب “أن الصهيونية هي عودة إلى اليهودية قبل العودة إلى بلاد اليهود”! كما حدد فيه مضمون المؤتمر فاعتبره “الجمعية القومية اليهودية”.
وفي ختام المؤتمر أقر المؤتمرون أهداف الصهيونية التي عُرفت منذ ذلك الوقت باسم “برنامج بازل” الذي حسم موقف الصهاينة من موقع دولتهم، التي لطالما حلموا بها!! وبرغم اقتصار أبحاث المؤتمر، إلى حدٍ ما، على المناقشات والمداولات دون أن يكون هناك التزام واضح من قبل هرتزل بقيام هذه الدولة “الوطن” في فلسطين بالتحديد، إلا أن المؤتمر شكل بدايةً حقيقية لمشروع الدولة الصهيونية، في ظل توفر العديد من الخيارات والأوطان بينها الأرجنتين وأوغندا. ومع ذلك فقد شكل المؤتمر الانطلاقة الأولى باتجاه فلسطين. وقد سبق لهرتزل أن فكر في مثل هذا قبل عامٍ من انعقاد المؤتمر كما ظهر جلياً في كتابه “الدولة اليهودية”. كما نقطة تحول هامة وخطيرة جداً في تاريخ الحركة الصهيونية، بعدما نجح منظموه في جمع معظم صهاينة العالم تحت سقفٍ واحد وفي إطار واحد أطلقوا عليه تسمية “المنظمة الصهيونية العالمية”، وهي المنظمة التي تولت من حينه الإشراف على مجمل الأجهزة الصهيونية في العالم. ووفق ما جاء في “الموسوعة الفلسطينية” فإن إنشاء المنظمة شكل فاتحة عهدٍ جديد من النشاط الصهيوني الهدام استهدف تحقيق جميع مخططات الحركة الصهيونية. وقد تفرع عن المؤتمر لجنة تنفيذية تكونت من 15 عضواً كانت بمثابة مجلس شورى وأخرى صُغرى تكونت من خمسة أعضاء كانت بمثابة حكومة. وتم تأسيس مكتبة مالية لجمع الاشتراكات الصهيونية السنوية من جميع اليهود في العالم، إلى جانب فتح المصرف اليهودي الاستعماري برأسمال بلغ مليون جنيه إسترليني. ووضع المؤتمر برنامجاً سارت عليه جميع المؤتمرات التي عُقدت بعد ذلك، كما وناقش تقارير مفصلة عن فلسطين والنشاط الاستيطاني فيها. ونصبَ المؤتمر تيودور هرتزل رئيساً له ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية.
وبعد مُضي أقل من عقد على ذلك المؤتمر وبنتيجة تزايد الضغوط اليهودية عليها، عرضت الحكومة البريطانية على المنظمة الصهيونية العالمية ستة آلاف ميل مربع أراضي أوغندا في القارة السمراء لإقامة الوطن القومي اليهودي المنشود!! لكن “منظمة الأرض اليهودية” التي كانت تشكل أحد أبرز أذرعة تلك المنظمة، رفضت ذلك العرض وأصرت على أن يكون في فلسطين، متذرعة بما أسمته زوراً وبهتاناً “الرؤية التوراتية”!! وبنتيجة الضغوط المماثلة على الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الغربي الذي تشكل منه “الحلفاء” إبان الحرب العالمية الأولى، أصدر وزير الخارجية البريطاني آنذاك جايمس بلفور وعده المشؤوم الذي سُمي باسمه في عام 1917 والذي قضى بإقامة “الوطن اليهودي” على أجزاء من فلسطين، ليكون نقطة حماية استراتيجية للدفاع عن قناة السويس وطريق الهند، وليكون قاعدة متقدمة للإمبريالية في الوطن العربي. وتبنى الرئيس الأميركي هاري ترومان ذلك الوعد بحماس كبير و”طيب خاطر طبعاً”!! وتطور الحال إلى أن جاء المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون الذي انعقد في بازل السويسرية أيضاً في عام 1946 وتبنى بدوره مشروع “بلتمور 1942″ الذي قضى بإنشاء دولة يهودية في فلسطين. ومما لا شك فيه أن المشروع الصهيوني قد رمى بظلاله القاتمة والكارثية على الأرض الفلسطينية والفلسطينيين في آن معاً. فبعد خمسة عقود من مؤتمر بازل، تمكنت الحركة الصهيونية من إقامة الكيان الصهيوني على 78 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، بعد أن طردت بالإرهاب والإكراه والتنكيل والتعذيب 850 ألف فلسطيني من أراضيهم. ثم أجهزت في عام 1967 على ما تبقى من فلسطين، بعد طرد وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين الجدد. وبالنسبة للهجرة اليهودية إلى فلسطين، فقد اتخذت بعد مؤتمر بازل الأول طابعاً منظماً، حيث ارتفع عدد اليهود من 30 ألفاً في عام 1897 إلى 650 ألفاً في عام 1948، وهو تاريخ نكبة فلسطين وولادة “الدولة العبرية القيصرية”. وقد تواصلت سياسة التهجير “الإسرائيلية” ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات والهدم والحفر والعزل وتغيير المعالم في فلسطين بالشكل الذي تناسب وتلاءم مع المطامع اليهودية الصهيونية، كما وتواصلت سياسة الهجرة اليهودية ليصل عدد اليهود إلى ما يزيد عن خمسة ملايين من أصل يهود العالم الذين لا يتجاوزون 13 مليوناً. وليس من قبيل المبالغة القول أنه ومنذ حدوث نكبة فلسطين في عام 1948 وحتى اللحظة الراهنة، و”الإسرائيليون” يمارسون السياسة في إطار الأيديولوجية الصهيونية ويتعايشون مع الخوف المتواصل والمفتعل، وسط اللجوء إلى الغرب وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية لتأمين الأسلحة الفتاكة والمفاعلات النووية والتكنولوجيا المتطورة، والحصول على الدعم السياسي والمعنوي لسياساتهم العدوانية ومخططاتهم التوسعية. ومنذ لحظة الاغتصاب الأولى وحتى هذه اللحظة والألم الفلسطيني في تصاعدٍ مستمر ومتنام نتيجة تلك الممارسة وذلك التعايش والانحياز الغربي ـ الأميركي الأعمى “لإسرائيل”. وإذا ما دققنا في ملفات منظمة الأمم المتحدة بما في ذلك ملفات مجلس الأمن الدولي لوجدنا أن الولايات المتحدة الأميركية لم “تكلف نفسها” عناء تسجيل أي إدانة للممارسات الإرهابية اللاأخلاقية واللاإنسانية التي ارتكبها “الإسرائيليون” بحق الفلسطينيين والعرب منذ بدء حلم تيودور هرتزل في عام 1897 وحتى إرهاب أيهود أولمرت في وقتنا الحاضر. والثابت حتى الآن أن الأيديولوجية الصهيونية ما تزال هي المتحكمة بعقليات وسياسات قادة “إسرائيل”، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم اليمينية أو اليسارية. فقد حرص اسحق رابين كل الحرص عند طرحه “إعلان المبادئ” الذي أبرمه مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أمام أعضاء الكنيست “الإسرائيلي” على الادعاء بأن “الصهيونية قد انتصرت”!! أما بنيامين نتنياهو، فقد حرص هو الآخر على أن يقتفي أثر سلفه ويدعي في كتاباته “أن للصهيونية دوراً هاماً يجب عليها القيام به من أجل توطين ثمانية ملايين يهودي حفاظاً عليهم من عداء السامية المستشري في العالم، على حد زعمه!! وبرغم جميع الاجتهادات والأفكار “البروباغندية” التي طرحها زعيم حزب العمل الأسبق والرئيس الحالي لدولة الاغتصاب شمعون بيريس في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” بغية الفصل بين جيلين “إسرائيليين” سابق قامت سياسته على الأحلام والتطلعات الأيديولوجية وحالي تقوم سياسته على حقائق العصر، إلا أنه لم يستطع أن يعدل عن مواقف الصهيونية الخاصة بدعوى أرض “إسرائيل التوراتية” والتي تشمل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، تماماً مثله مثل أي قائد “إسرائيلي” أخر!!
قرن واربعة عشر عاماً مر على تاريخ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية وما زال قادة كيان العدو من الأحزاب الرئيسية الثلاثة العمل والليكود وكاديما عاجزين عن تطوير الصهيونية بما يتفق مع حقائق العصر بمعناها الحقيقي ومفهومها الواضح. فحتى اسحق رابين نفسه حين خطا خطواته على طريق “السلام” المزعوم لم يجرؤ على الإقرار بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة في الضفة والقطاع والقدس الشريف، لا بل تمسك ببقاء المستوطنات اليهودية في مواقعها ووضعها تحت حماية قوات الأمن “الإسرائيلية” وتحت إشراف سياسي كامل من قبل السلطة السياسية “الإسرائيلية” في تل أبيب. وعندما يكون الحال هكذا مع رابين “شريك الفلسطينيين في سلام الشجعان” كما كان يصفه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، فمن البديهي أن يكون أدهى وأمر وأشد تصلباً مع القادة الآخرين الذين خلفوه في رئاسة حكومات تل أبيب المتعاقبة.
لربما أن من المفيد الإشارة إلى أن الألم الفادح الذي أوقعته الصهيونية العالمية بالفلسطينيين والعرب عامة من خلال ممارستها الإرهاب المتواصل ضدهم قد بدا في بعض الأحيان ثقيلا حتى على ضمائر بعض المفكرين والسياسيين والعسكريين اليهود أنفسهم في تل أبيب وعواصم الغرب من أمثال ألبرت أنشتاين ومكسيم رودونسون والبروفسور تالمون وناحوم جولدمان وعيزرا وايزمان وآخرين وفق ما جاء في تصريحاتهم وكتاباتهم. لكن الواقع سيظل يشهد على أن كيان العدو لم يزل يُصر على التمسك بوضعية دولة الأبارتهايد التي تتحكم بالفلسطينيين خلافاً لإرادتهم ورغباتهم، الأمر الذي يُرجح احتمال قرب نهاية الصهيونية، كما تكهنت صحف صهيونية كثيرة من أهمها طبعاً صحيفة “هآرتس” التي أشرت إلى ذلك صراحة وبشكل مباشر في افتتاحية عددها الخاص بالذكرى المئوية لرحيل “ملهم الصهاينة والمنظر الأكبر لإرهابهم” تيودور هرتزل!!

محمود كعوش
كوبنهاجن في آب 2011
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمارك

في ذكرى إحراق المسجد الأقصى المبارك.....محمود كعوش

جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك: شاهد على الإرهاب الصهيوني 



أربعة عقود مرت على وقوع الشطر الشرقي لمدينة القدس تحت وطأة الاحتلال الصهيوني الغاشم في أعقاب عدوان 5 حزيران 1967 و"الإسرائيليون" ماضون في غيهم وسعيهم المحموم لتغيير معالم المدينة


المقدسة والعبث بتراثها الحضاري أملاً في إلغاء هويتها العربية وتهويدها، في تحد سافر ومهين لمشاعر أبنائها من الديانتين الإسلامية والمسيحية، وللعالمين العربي والإسلامي في الإطار الأعم والأشمل. لقد كان هذا الأمر وما زال موضع استنكار دولي صارخ عبرت عنه سلسلة من القرارات الدولية المتلاحقة التي صدرت عن منظمة الأمم المتحدة وفيض من بيانات الشجب والإدانة التي أطلقها قادة عالميون، إلى جانب الرفض العربي والإسلامي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص والذي ما برح يعبر عن نفسه بشتى الأساليب والوسائل التي يجيزها القانون الدولي، بما في ذلك ممارسة المقاومة المسلحة والقيام بالانتفاضات الشعبية العارمة، التي كان آخرها انتفاضة الأقصى المباركة التي تفجرت في 28 أيلول 2000 والتي تمكنت من دحر الاحتلال وفرضت عليه الانكفاء عن قطاع غزة في 17 آب 2005. وبقي المسجد الأقصى المبارك، الذي يعتبر أولى القبلتين وثالث الحرمين بالنسبة للمسلمين في العالم، من أولويات أهداف التغيير عند "إسرائيل" بشكل دائم ومستمر، بزعم وجود جبل الهيكل اليهودي تحت أرضه!! وقد اتخذ التغيير فيه أشكالاً مختلفة منها العبث بمحيطه وباطن أرضه والتحدي السافر لرواده وعمليات الاقتحام المتتالية له، التي قام بها "الإسرائيليون" وما زالوا يقومون بها بشكل أحمق ومجنون حتى أيامنا هذه. فمنذ سقوط القدس الشريف في قبضة الاحتلال في اليوم الثاني لعدوان حزيران1967 أي قبل 40 عاماً، عمل "الإسرائيليون" على اقتحام ساحة المسجد بين الحين والآخر وتدنيسها من خلال إقامة حفلات الرقص والغناء والخلاعة والمجون بداخلها. لكن اقتحام الإرهابي الصهيوني الأرعن آرئيل شارون مع نفر من أعوانه الأشرار في 28 أيلول 2000 ساحة المسجد بتسهيلٍ وحمايةٍ من حكومة حزب العمل التي كان يرأسها آنذاك الإرهابي الصهيوني الآخر أيهود باراك، كان الأسوأ من نوعه والأكثر استفزازاً وتحدٍ لمشاعر العرب والمسلمين بمن فيهم الفلسطينيين طبعاً. وقد شكل ذلك الاقتحام الهمجي لساحة المسجد الشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة الشعبية الثانية التي حملت اسم المسجد المبارك. حملات "إسرائيل" التغيرية والتهويدية المسعورة للمسجد الأقصى بدأت مع احتلال الشطر الشرقي للمدينة المقدسة في حزيران 1967، واستمرت في ظل "اتفاقية أوسلو" اللعينة وما أعقبها من مفاوضات وتفاهمات عقيمة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" تارة برعاية رباعية منحازة وطوراً برعاية أميركية أكثر انحيازاً، وتصاعدت وتيرتها في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة التي يشنها جنودها بشكل متواصل. وحصلت تلك الحملات قبل البدء ببناء جدار الفصل العنصري، واستمرت في أوج بنائه، ولا يبدو أن لها نهاية أو مستقراً طالما أن المطامع "الإسرائيلية" التوسعية قائمة ومستمرة في ظل انحياز أميركي وتواطؤ أوروبي وخضوع رسمي عربي كامل ومهين للاملاءات الأميركية ـ "الإسرائيلية" المشتركة. هذه الحملات العدوانية لبست العديد من الوجوه والأقنعة، وتم التعبير عنها بمختلف السبل والوسائل الشريرة ومن خلال العديد من الحلقات والمحطات التي تركت آثارها المؤلمة والموجعة على العرب والمسلمين وبالأخص الفلسطينيين وبأخص الخصوص المقدسيين، بحيث يستحيل محوها من ذاكرتهم. ولربما كان أبرزها محاولة الإجهاز على المسجد الأقصى المبارك عن طريق الحرق في 21 آب 1969 والتي تتصادف ذكراها الثامنة والثلاثون هذا الشهر. تلك المحاولة التي وقف وراءها نفر من المتطرفين "الإسرائيليين" الذين ما أبطنوا ولا أظهروا غير الحقد والكراهية للعرب والمسلمين، جرت بإيعاز وتشجيع من الدوائر السياسية والأمنية "الإسرائيلية" الرسمية. في تلك المحاولة الإجرامية، أحرق المتطرفون "الإسرائيليون" المسجد بطريقة لا يمكن لسلطات الاحتلال أن تكون بمنأى أو معزل عنها. فقد قامت هذه السلطات بقطع المياه عن منطقة الحرم فور ظهور الحريق، وحاولت منع المقدسيين وسيارات الإطفاء التي هرعت من البلديات العربية من الوصول إلى المنطقة والقيام بعملية الإطفاء. وكاد الحريق أن يلتهم قبة المسجد المبارك لولا استماتة هؤلاء الأبرار في عملية الإطفاء، إذ اندفعوا اندفاعة الأبطال عبر النطاق الذي ضربته قوات الاحتلال "الإسرائيلية" حتى تمكنوا من إكمال مهمتهم، لكن بعد أن أتى على منبر المسجد وسقوف ثلاثة من أروقته وجزءٍ كبير من سطحه الجنوبي. وفي محاولة دنيئة ووقحة للتعمية على جريمتها، ادعت "إسرائيل" يومها أن "تماساً كهربائياً تسبب في الحريق"، إلا أن تقارير المهندسين الفلسطينيين دحضت ذلك الإدعاء، وأكدت أنه تم بفعل أيد مجرمة أقدمت على تلك الفعلة الشنيعة عن سابق إصرار وتصميم وترصد، الأمر الذي أجبر قادة العدو على التراجع عن ادعائهم وتحويل الشبهة إلى شاب أسترالي يدعى دينيس مايكل وليام موهان. اعتقلت "إسرائيل" ذلك الشاب، وكان يهودياً أسترالياً، وتظاهرت بأنها ستقدمه للمحاكمة في عملية احتيال التفافية لامتصاص غضبة الفلسطينيين وإدانة العرب والمسلمين والالتفاف على المنظمة الدولية، إلا أنها بدل أن تفعل ذلك أطلقت سراحه متذرعة بأنه كان "معتوهاً". وهكذا قيدت "إسرائيل" جريمتها الإرهابية النكراء تلك ضد معتوه، كعادتها بعد كل جريمة إرهابية يرتكبها جنودها ومواطنوها بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم الإسلامية والمسيحية. ارتكاب جريمة حرق المسجد الأقصى ومعالجتها بتلك الطريقة الاستفزازية من قبل "إسرائيل" أثارا في حينه هياجاً كبيراً في الأوساط العربية والإسلامية بما فيها الفلسطينية طبعاً لما يمثله المسجد كمكان ديني مقدس وواحد من أبرز معالم الحضارة الإنسانية، الأمر الذي فرض على مجلس الأمن الدولي إصدار قراره الشهير الذي حمل الرقم 271. في ذلك القرار أدان المجلس "إسرائيل" لتدنيسها المسجد، ودعاها إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها المساس بوضعية المدينة المقدسة. وعبر القرار عن حزن المجلس للضرر الفادح الذي ألحقه الحريق بالمسجد في ظل الاحتلال العسكري "الإسرائيلي" الغاشم. وبعد أن استذكر القرار جميع القرارات الدولية السابقة التي أكدت بطلان إجراءات "إسرائيل" التي استهدفت التغيير في القدس المحتلة، دعاها من جديد إلى التقيد بنصوص اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الذي ينظم الاحتلال العسكري. كما دعاها إلى الامتناع عن إعاقة عمل المجلس الإسلامي في المدينة، المعني بصيانة وإصلاح وترميم الأماكن المقدسة الإسلامية. ويذكر أن القرار الدولي صدر بأغلبية 11 دولة وامتناع أربع دول عن التصويت من ضمنها الولايات المتحدة. أجمع المؤرخون والكتاب العرب على أن حريق المسجد الأقصى المتعمد مثل محطة رئيسية من محطات الإرهاب "الإسرائيلي" وحلقة بارزة من حلقات المسلسل "الإسرائيلي" المستمر للممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم وأماكن عباداتهم الإسلامية والمسيحية تحت سمع وبصر العالم أجمع، بما في ذلك النظام الرسمي العربي الذي اختار لنفسه أن يظل نزيل غرفة الإنعاش حتى إشعار آخر، بمشيئة أميركية ـ "إسرائيلية" مشتركة لا بمشيئته طبعاً. فمنذ احتلال القدس وحتى الآن، لم يوقف "الإسرائيليون" مجازرهم الإجرامية بحق المصلين في المسجد الأقصى الشريف ولم يكفوا عن محاولة اقتحامه والتهديد بهدمه ونسفه بالمتفجرات وضربه بالصواريخ لإقامة هيكلهم المزعوم فوق أنقاضه. وكانت مجزرة عام 1990 واحدة من المجازر البربرية التي ارتكبها هؤلاء الأشرار بحق من اعتادوا على التواصل مع الله من خلال الصلوات في المسجد الأقصى من منطلق إيماني وحرص أمين ومخلص على تأكيد هوية الأقصى العربية والإسلامية. في تلك المجزرة الرهيبة هدر "الإسرائيليون" دم 22 فلسطينياً غيلة وغدراً وهم في لحظات التضرع إلى رب العالمين. ولم يوقف "الإسرائيليون" الحفريات حول المسجد المبارك وفي باطن أرضه وفي الأماكن المحيطة به لحظة واحدة. فقد تواصلت الحفريات بشكل مسعور ومحموم بذريعة البحث والتنقيب عن آثار هيكل سليمان وذرائع أخرى واهية. ولم تستثنٍ الحفريات بيتاً عربياً أو مدرسة أو دار علم يملكها عربي. وبموازاة ذلك، دأبوا منذ عام 1968 على حفر الأنفاق تحت الحرم القدسي الشريف. ففي ذلك العام بدأوا بحفر نفق عميق وطويل أدخلوا إليه سفر التوراة وأنشأوا في داخله كنيساً يهودياً. وبلغت عملية حفر الأنفاق ذروتها في أيلول 1996، عندما أقدموا على حفر نفق يمر أسفل السور العربي للمسجد ويربط بين حائط البراق وطريق الآلام، الأمر الذي أثار في حينه حفيظة المقدسيين وأشعل موجة من المواجهات المسلحة التي اتسعت رقعتها لتشمل جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأسفرت تلك المواجهات عن سقوط 65 فلسطينياً و 15 جندياً إسرائيلياً. وقد حصل كل ذلك في ظل تنامي الحديث عن السلام الكاذب الذي تواتر على خلفيته مؤتمر مدريد المشؤوم واتفاقية أوسلو اللعينة. وأذكر أنه في ظل احتفال الفلسطينيين بتحرير قطاع غزة في مثل هذه الأيام من عام 2005، تعالت أصوات "إسرائيلية" منكرة من هنا وهناك تهدد بقصف المسجد الأقصى بالصواريخ من الجو والبر أو اقتحامه وتدميره. ففي 6 حزيران 2005، حيث توافقت الذكرى ألـ 38 لاحتلال مدينة القدس ، فشلت مجموعات يهودية متطرفة يرافقها حاخامات ونواب "إسرائيليون" يمينيون وشخصيات "إسرائيلية" شعبية في اقتحام المسجد بشكل جماعي عبر باب الأسباط بعد أن تصدى لها حراسه والمرابطون بداخله ومن وحوله. وليلة التاسع من آب من ذات العام تكررت المحاولة عبر بابي حطة والسلسلة، إلا أنها منيت بالفشل أيضاً. ومنذ الرابع عشر من ذات الشهر والعام الذي توافق مع ذكرى ما يسمونه "خراب الهيكل الثاني"، استأنف المتطرفون اليهود محاولات اقتحام المسجد جماعياً وفردياً. وفي واحدة من تلك المحاولات الإجرامية، ألقت الشرطة "الإسرائيلية" القبض على متطرفين حاولا الدخول إليه عبر بابين مختلفين . والعام الماضي تكررت المحاولات في ذات المناسبات ومناسبات أخرى عديدة. وهي تتواصل هذا الشهر كما في الشهور السابقة من العام الجاري، مع تصاعد في العدوانية والحدة والاستفزاز. وكان آخرها تهديد صدر قبل أيام عن عضو في الكنيست "الإسرائيلي" طالب فيه حكومته بتدمير المسجد الأقصى لحل ما أسماه "قضية الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حركة حماس وحزب الله"!! وبينما كانت انتفاضة الأقصى المجيدة لم تزل في أوج توقدها في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، تمحورت المخاوف الفلسطينية بصورة خاصة حول القدس والمخاطر المحدقة بها والمستقبل المظلم الذي يتهددها، وذلك لأن "الإسرائيليين" كانوا يعملون على إعادة رسم جغرافيتها بالكيفية التي تلائم طموحاتهم التهويدية والاستيطانية التوسعية. ولطالما تساءلنا حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المدينة المقدسة، وما سيؤول إليه مصير المسجد الأقصى في ظل استهداف المتطرفين اليهود الدائم له. أما وقد جرى ما جرى في القطاع من مواجهات دموية، بين من يُفترض أن يكونوا اخوة ورفاق السلاح في مواجهة العدو المشترك الذي اغتصب أرضهم، أدت إلى ما أدت إليه من أوضاع شاذة أقل ما يمكن أن توصف به أنها مثلت ضربة قاسمة وموجعة جداً للوحدة الوطنية الفلسطينية على المستويين الإنساني والجغرافي إلى حين لا يعرف مداه إلا الله، فإن المخاوف على مدينة القدس بما فيها المسجد الأقصى تصاعدت وتضاعفت آلاف المرات، وبلغت مبلغاً من الخطورة لم تبلغه من قبل. إلى متى سنظل نتساءل حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المسجد الأقصى والقدس وكل الوطن الفلسطيني من البحر إلى النهر، خاصة بعد أن أصاب الوحدة الوطنية الفلسطينية ما أصابها؟ ترى هل سيطول زمن التساؤل أكثر!! آب ‏2007‏‏ كاتب عربي مقيم في الدانمارك kawashmahmoud@yahoo.co.uk kawashmahmoud@hotmail.com

ديمقراطية الغرب كذبة كبيرة...فلا تصدقوها......محمود كعوش


ديمقراطية الغرب كذبة كبيرة...فلا تصدقوها

اسألوا صديقي عنها "يقرئكم السلام"!!

التطرق إلى موضوع الديمقراطية الغربية بما في ذلك ديمقراطية "العم سام" في الولايات المتحدة على خلفية خضوعها لازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بالمسلمين والعرب ، لا يعني بالضرورة رفضنا للديمقراطية بمفهومها الصحيح وأهمية إرساء قواعدها في العالم الإسلامي والوطن العربي . فالمسلمون والعرب كانوا ولا زالوا يناضلون من أجل ردم الهوة بينهم وبين حكامهم ، وتمهيد الأرضية الصالحة للديمقراطية وإشاعتها في بلدانهم 



. لكنهم يسعون وراء ديمقراطية تتواءم مع واقع حالهم وتعاليم دياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم لا وراء ديمقراطية مستوردة من الغرب لم تعد هي بالأصل موجودة فيه أو ديمقراطية تُفرض عليهم فرضاً وتكون وفق المقاييس الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص ، ووفق ما تفترضه الاستراتيجية الأميركية – الصهيونية المشتركة . وعلى مدار أكثر من سبعة أعوام أعقبت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ، تواترت التصريحات الشفهية والخطية وما تزال تتواتر في وسائل الإعلام الغربية المرئية والمسموعة والمكتوبة ، الصادرة عن كبار المسؤولين الغربيين وبالذات الأميركيين بدءاً بالرئيس جورج دبليو بوش وانتهاءً بأصغر موظفٍ في الخارجية والبنتاجون حول إصرار وعزم الولايات المتحدة الأميركية على فَرْض "ديمقراطيتها" على المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص . وأستذكر في هذا المقام ما جاء في مقالة لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول نشرتها له صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الذي استقبلت به الفاتح من العام الميلادي 2004 ، لأن ما جاء في المقالة صور ذلك الوضع بشكل واضح لا لبس فيه .
قال باول يومها : "إن جهودنا في أفغانستان ستستمر ، لأننا عقدنا العزم على تحويل هدف الرئيس جورج دبليو بوش الخاص بشرق أوسط حر وديمقراطي إلى حقيقة واقعة . سنقوم بتوسيع مبادرة الشراكة الأميركية - الشرق أوسطية لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي في جميع أنحاء المنطقة ، كما أننا سنقف إلى جانب الشعب الإيراني وغيره من الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة مستبدة أثناء نضالها في سبيل الحرية". وأضاف باول: "لقد شعرت إيران بضغطنا وضغط حلفائنا المتواصل عليها للكشف تماماً عن برنامج أسلحتها النووي ، وقد بدأت القيام بذلك . كما نبذت ليبيا الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل بفضل استراتيجية الرئيس بوش القوية في مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل". لكن وزير الخارجية الأميركي السابق لم يُشر آنذاك إلى أسلحة الدمار الشامل المخزنة في الكيان الصهيوني بالطبع، مثله مثل جميع السياسيين الأميركيين الآخرين وعلى رأسهم جورج دبليو بوش نفسه. و كان هذا غيض من فيض ما جاء في مقالة كولن باول "العتيدة" قبل خمسة أعوام من الآن . وما تبعها من مقالات خطها باول بقلمه حول الديمقراطية الأميركية "الموعودة" وأعقبها من مقالات خطها قلم خليفته كونداليزا رايس كان أدهى وأمر وأسوأ !! لكن من سخرية القدر، لا بل من المضحك المبكي، أن عام 2004 قد توارى، ثم توارت بعده أربعة أعوام وبتنا على مشارف نهاية الشهر العاشر من عام 2008 الجاري حيث نقترب من انتهاء ولاية الرئيس بوش وبدء ولاية جديدة لرئيس أميركي جديد  تفرزه الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني القادم ولم يتحقق ولو نذر يسير من "ديمقراطية" الولايات المتحدة المزعومة !!

 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تاريخ مشؤوم كان ولم يزل الذريعة والمبرر!!

منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والحديث المندفع بعصبية وتوتر عن "الأصولية الإسلامية والإرهاب العربي" يتوازى مع الحديث عن "محاسن ومزايا" الديمقراطية الغربية وضرورة إرساء دعائمها في الشرق الأوسط عامة والوطن العربي خاصة ، إن لم يكن بالترغيب فبالترهيب . ويوماً بعد آخر بدأت وتيرة هذا الحديث تتصاعد أكثر فأكثر . ومنذ ذلك التاريخ ، تحوّلت الديمقراطية إلى سلاح تُشهره الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص وبلدان الغرب بشكل عام في وجه أي بلدٍ إسلامي أو عربي لا ينصاع للإرادة الأميركية ـ  الغربية المشتركة ، ولا يستجيب لمتطلبات الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية ومشروعها الاستعماري – الاستيطاني التوسعي في منطقة الشرق الأوسط ، بما في ذلك الوطن العربي بالطبع . والحقيقة أن هذه الديمقراطية قد تجاوزها الزمن وأصبحت أثراً بعد عين ، أكان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية أو في معظم بلدان الغرب. وهنا لربما يجوز لي استثناء اسكندنافيا بشكل عام وفرنسا بشكل أو آخر. وهذه الديمقراطية لم تعد سوى شعارٍ أو يافطة للمشروع الاستعماري – الاستيطاني التوسعي ، لإعطائه "المشروعية" وإضفاء الصبغة الواقعية عليه ، وبالأخص فيما يتعلق منه بمنطقة الشرق الأوسط ، وعلى أخص الخصوص الوطن العربي . وكما أن السياسة الأميركية خاصة والغربية عامة تكيل بمكيالين عندما يتصل الأمر بالشرق الأوسط وبالأخص الوطن العربي ، فإن الحال هو كذلك مع الديمقراطية التي أصبحت ظرفية وتتلوّن وفق الظروف والأهواء والمصالح ومتطلبات السياسة.

دخلت الديمقراطية في غيبوبتها يوم أصبح العالم أحادي القطبية

غُيبت الديمقراطية مع تغييب الأمم المتحدة ومجلس أمنها لتمرير العدوان الأميركي - البريطاني على العراق في عام 2003 ، لا بل غُيبت قبل ذلك بكثير ولربما مع سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينات في القرن الماضي . ولم يتبق من هذه الديمقراطية غير الشعار واليافطة كما أسلفت الذكر لرفعهما بين الحين والآخر خدمة لمصلحة المشروع الأميركي - الصهيوني الاستعماري التوسعي. نعم غُيبت الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية والعديد من بلدان الغرب وأدخلت غرفة العناية الفائقة "الإنعاش" مع تحول العالم إلى أحادية القطبية . غُيبت قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 ، فكيف الحال مع هذه الديمقراطية بعد ذلك التاريخ ؟ فالحرب على العراق التي شُنّت في عام 1991 وبعدها حرب البوسنة والهرسك "سراييغو" وحرب يوغسلافيا ومن ثم حرب أفغانستان واحتلالها وحرب العراق واحتلاله أخيراً مثلت شواهد حية للديمقراطية الغربية قبل وبعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 . أما ما يجري من استهداف للمسلمين والعرب في الولايات المتحدة بصورة خاصة والعالم بما فيه الغرب بصورة عامة ، وهو ما اعترف وأقر به الأمين العام السابق للمنظمة الأممية المُغيبة كوفي أنان ، لهو شاهد آخر على الديمقراطية الغربية "وفضائلها ومحاسنها وحسناتها" !! ولعلّ ما هو حاصل من صَمتٍ مُطبقٍ تجاه التقتيل والحصار والتجويع والإذلال للإنسان والفتك بالشجر والحجر في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ما هو إلا شاهد الشواهد على هذه الديمقراطية المزيفة . ولا ننسى الديمقراطية الغربية المطبقة في معسكر غوانتانامو منذ احتلال أفغانستان عام 2002 . إنها الديمقراطية الغربية عامة والأميركية خاصة التي يريدون تصديرها إلى العالم الإسلامي والوطن العربي ، لا بل هي الديمقراطية التي يريدون فرضها عليهما قصراً بالعصا بدون جزرة  وبالترهيب بلا ترغيب . ولا شك أن "الديمقراطية" الصهيونية المولودة أصلاً من ضلع الديمقراطية الغربية لا تقل عنها "سذاجة وسخافة" من حيث "الفضائل والمحاسن والحسنات" !

اسألوا صديقي عن "كرابيج" الديمقراطية الغربية "يقرئكم السلام" !! 

قبل سبعة عشر عاماً قُدِرَ لصديقٍ عزيز جداً أن يتذوق "كرابيج" الديمقراطية الغربية ولم يزل طعمها تحت أسنانه ، لا بل لم يزل يدفع ثمن تلك الكرابيج حتى يومنا هذا . وهي إذا ما قيست بـ"كرابيج" الديمقراطية الغربية التي تذوقها مسلمون وعرب آخرون لا تُحصى أعدادهم منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 حتى اليوم ، فلا تشكل "إبرة في كومة من قش" حسب تعبير لوزير الدفاع الأميركي السابق سيئ الذكر دونالد رامسفيلد استعمله مراراً وتكراراً قبل أن تتمكن قوات الاحتلال الأميركية من أسر الرئيس الشهيد صدام حسين في ديسمبر/ كانون الأول 2003 . نعم ، تذوقها صديقي قبل ذلك بكثير ، تذوّقها قبل سبعة عشر عاماً كما أسلفت الذكر . وكان ذلك في واحدة من أكبر "ديمقراطيات" الغرب ، لا بل في أُم الديمقراطيات الغربية كما يطيب للغربيين عامة والإغريق خاصة أن يطلقوا عليها . كانت ديمقراطية أبعد ما تكون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بها وفي مقدمها اتفاقية جنيف "حسنة الصيت والسمعة !!" ، تلك الاتفاقية التي لربّما تُطبق في معظم الأحيان على الجميع باستثناء المسلمين والعرب .
كان ذلك في يناير/ كانون الثاني 1991 ، وتحديداً في الثامن عشر منه بعد ساعات قليلة من قيام جيش الرئيس الشهيد صدام حسين بتوجيه صواريخه إلى تل أبيب رداً على بدء العدوان الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على العراق ، ذلك العدوان الذي حلا لواشنطن أن تُطلق عليه تسمية "عاصفة الصحراء" والذي وقع بذريعة (احتلال الكويت وضرورة تحريرها) على حد زعم الولايات المتحدة وشركاؤها في ذلك العدوان . حينذاك كان صديقي واحداً ممن راعهم ما حدث لألف اعتبار واعتبار ، أبرزها خوفه على العراق في الإطار القطري والوطن العربي في الإطار القومي الأوسع  . لقد كانت الكويت هي الذريعة والمبرر ، ولو لم تكن لأوجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها ألف ذريعة وألف مبرر غيرهما !! كان صديقي في حينه يكتب لإحدى الصحف العربية الكبرى ، وكانت الصحيفة من أبرز الصحف المعارضة للاحتلال وصدام حسين مع أنها كانت تُطلق على الأخير إبان حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران لقب "فارس العرب".

هي ديمقراطية المخابرات وغرف العمليات الأمنية المشتركة

خمسة أشهر وبضعة أيام كانت قد مرّت على ضم الكويت للعراق "باعتبار أنها الفرع الذي عاد للأصل" ، قضاها صديقي في تدوين أرقام لوحات سيارات جهاز المخابرات في ذلك البلد الغربي "الديمقراطي" والتي كانت تتابعه وتقتفي أثره أربعاً وعشرين ساعة في اليوم ، وفي محاولة التملّص من رجال الاستخبارات الدوليين الذين برزوا علي سطح الأحداث فجأة ومن دون إنذار مبكر ونشطوا تحت أسماء ومسمياتٍ مختلفة وملفقة . فمنهم من كان يقدم نفسه ككاتب أو باحث يسعى وراء بحث أو دراسة خاصة بمنطقة الشرق الأوسط أو الوطن العربي ، وآخر كان يقدم نفسه على أنه صحافي جديد يسعى وراء المساعدة ، وثالث كان يدعي أنه رجل أعمال وافد يسعى وراء الإعلان لأعماله ومشاريعه في الصحيفة التي كان صديقي يعمل بها. رجال مخابرات البلد الغربي "الديمقراطي" كانوا يطاردون صديقي متجنبين الاحتكاك المباشر به ، وكان جل اهتمامهم أن يضعوه تحت ضغط نفسي ثقيل ومكثف فقط . هكذا كانت الأوامر والتعليمات الصادرة إليهم من الجهات العليا. والوافدون الجدد من رجال الاستخبارات الدوليين ذو المهن المتعددة والمزيفة كانوا يبالغون ويفرطون في دعواتهم المتلاحقة لصديقي ، ربما كي يظل تحت عيونهم وأبصارهم . في حينه تأكد لصديقي أنه مقبل على ما لا تُحمد عقباه "ولربما على أيام سوداء ومظلمة" ، إذا ما "وقعت الواقعة" وشنت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الحرب على العراق ، لا لأنه كان متعاطفاً مع العراق ومؤيداً له ، ولا لأن البلد الغربي "الديمقراطي" كان يملك من المبررات ما يعطيه حق اعتقاله أو ترحيله ، إنما لأن إحدى السفارات العربية التي كانت ممثلة في غرفة العمليات الأمنية التي تشكلت في عاصمة ذلك البلد على غرار مثيلاتها في العواصم الغربية الأخرى بذريعة مواجهة "الأخطار المحدقة" كانت قد خاطبت وزارة الأمن في تلك العاصمة بشكل رسمي وطلبت منها ملاحقة ومتابعة صديقي، وإذا اقتضى الحال ترحيله على أول طائرة ، بغض النظر عن الجهة التي يرّحل إليها . المخاطبة تمت عبِرَ كتاب دبلوماسي رسمي حصل صديقي على نسخة منه سربها عميل محلي لسفارة العراق في تلك العاصمة . لكن صديقي وإن أخذ الأمر على محمل الجد وتهيأ لتبعاته سلفاً ، إلا أنه ظل كغيره يراهن حتى اللحظة الأخيرة على حكمة القيادة العراقية واحتمال انسحاب الجيش العراقي من الكويت طوعاً وسحب الذرائع من أيدي الولايات المتحدة الأميركية وجميع البلدان الغربية المتربصة شراً بالعراق خاصةً والأمة العربية عامة ... وهنا لا أستثنى تربص الكيان الصهيوني بالطبع . لكن حتى ذلك لم يفد ، لأن الولايات المتحدة وحلفائها كانوا قد اتخذوا قرار العدوان من قبل .

 كانت اليونان البلد الغربي "الديمقراطي" الذي عنيت!!

البلد الغربي في بيت قصيدي كانت اليونان ، وقد سبق أن ألمحت إليهاً في سياق الإشارة إلى الإغريق وأم الديمقراطيات الغربية . نعم كانت اليونان حيث كان صديقي يقيم مع عائلته في عاصمتها ، وكان يعمل في الحقل الإعلامي كما أسلفت الذكر أيضا ً. وكانت الصحيفة  العربية التي أشرت إليها سابقاً من بين وسائل الإعلام التي كان يكتب لها ، وهي كانت ولم تزل تتخذ من عاصمة الضباب وصاحبة الجلالة مقراً لها . كان صديقي في حينه يعتبر اليونان واحدة من بلدان العالم الثالث عشر لما للديمقراطية فيها من "قدسية !!" ندر وجودها في بلدان ديمقراطية حقيقية مثل البلدان الاسكندنافية، على سبيل المثال لا الحصر !! وقد عبّر عن ذلك في عدد غير محدود من مقالاته. كانت الحكومة اليونانية منزعجة من صديقي لأنه عُرف باهتمامه الخاص بشؤون المسلمين في منطقة "تراقيا" شمال اليونان على تماس مع الحدود التركية. وعبّر عن ذلك في مقالاته أيضاَ ، كما وأقام علاقات وصلات طيبة مع تلك الأقلية اليونانية ومع ممثليها في البرلمان الذين كانوا لا حول لهم ولا قوة لأن الإعلام المحلي والدولي تعمدا على الدوام تجاهلهم وتجاهل أقليتهم ومنطقتهم . ولم يكن حال الدبلوماسيون المسلمين والعرب بأفضل من حال الحكومة اليونانية تجاه صديقي ومواقفه ، بل لربما أنه كان أسوأ وأمر وأدهى . وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة الأكثر انزعاجاً بين كل هؤلاء من صديقي ، لكن لسبب أو أسباب أخرى أقلها أنه كان يبدي حضوراً ديناميكيا في الندوات السياسية العامة والخاصة التي اعتاد حضورها كبار السياسيين اليونانيين بمن فيهم رئيس الحكومة لم يكن ليتوفر عند رأس الدبلوماسية المقصود وأقرانه من الدبلوماسيين الآخرين وبالأخص العرب منهم . فقد امتاز صديقي بجرأة وطنية وقومية كانوا يفتقدونها ، وكانت تخوله مماحكة أولئك السياسيين ورئيس حكومتهم ومحاورتهم بجرأة وشجاعة ، وحتى انتقادهم شفهياً وفي مقالاته لأن اليونان في ذلك الوقت كانت قد شرعت في مغازلة الكيان الصهيوني وبدأت تتخلى تدريجياً عن موقعها ودورها كجسر لعلاقات التواصل الطيبة بين الغرب والعرب . في حينه وصل اليمين اليوناني "حزب الديمقراطية الجديدة" بزعامة قسطنطين ميتسوتاكيس إلى السلطة بعد هزيمة انتخابية أنزلها باليسار الاشتراكي "حزب الباسوك" وزعيمه التاريخي أندرياس باباندريو ، وانحرف بالسياسة اليونانية الخارجية "180 درجة" معاكسة للنهج الباسوكي الداعم للعرب والقضية الفلسطينية ، واعترفت اليونان لأول مرة منذ عام 1948 بالكيان الصهيوني اللقيط . وكانت الحكومة اليونانية منزعجة من مواقف صديقي الخاصة بهذه المسألة . الحكومة اليونانية لم تستطع ترحيله وإن تمكنت من ملاحقته ومتابعته. لم تستطع ترحيله لأن حصانته الصحفية كانت تمنعها من ذلك ، ورأس الدبلوماسية لم يستطع هو الآخر أن يُحقق مطلبه لأن صديقي كان يتمتّع بحصانة لا تقل قوة عن حصانته.
تجدر الإشارة إلى أنه وعلى ضوء احتلال الكويت وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين اليونان وإسرائيل انعقد في أثينا مؤتمر دولي سري تحت عنوان "مواجهة الأصولية القادمة من الشمال" رعته وكالة الاستخبارات الأميركية "C.I.A" وأشرف عليه رئيس مجلس إدارة إحدى محطات التلفزة اليونانية ورأس المؤتمر وسيط السلام الأميركي اللبناني الأصل المغفور له فيليب حبيب . صديقي كان الصحافي والكاتب الشرق أوسطي الوحيد المشارك في ذلك المؤتمر بحكم علاقاته الخاصة والمتميزة مع أحد كبار العاملين في محطة التلفزة المذكورة ، وكان الشاهد العربي الوحيد على مشاركة عدد من السياسيين الدوليين والعرب والإسرائيليين السابقين في ذلك المؤتمر . وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة نجماً من نجوم ذلك المؤتمر ، وقد تصدر الطاولة الرئيسية أثناء العشاء الختامي للمؤتمر إلى جانب فيليب حبيب والسفير الأميركي والوفد الصهيوني . وكان صديقي أيضاً شاهداً على جلسته "الحميمة" التي لم يحسده عليها أحد من الدبلوماسيين العرب والمسلمين الذين لبّوا دعوة العشاء ، وهو ما زاد في انزعاج سعادته من صديقي أكثر فأكثر. ذلك المؤتمر مثّل بالطبع  وجهاً من وجوه "الديمقراطية" الغربية لأنه شكل حلقة من حلقات التآمر على المسلمين والعرب في العالم وبالأخص في الغرب !!

 اتخذ جورج بوش الأب قرار العدوان وكشرت الديمقراطية الغربية عن أنيابها السامة

مع اتخاذ الرئيس الأميركي في حينه جورج بوش الأب قرار العدوان على العراق وتحديد ساعة الصفر ، أعلنت حالة الطوارئ القصوى في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الغرب ، وبالطبع في اليونان . ومع اتخاذ القرار وتحديد ساعة الصفر ، سقطت الديمقراطية الغربية ، بل غُيبت ، وسقطت وغُيبت معها جميع حقوق الإنسان وبالذات الإنسان العربي ، والاتفاقيات التي تضمن هذه الحقوق هذه بما فيها اتفاقية جنيف . ولم يعد هناك من قيمةٍ تُذكر لجميع الحصانات ، الصحفية منها والدبلوماسية . نعم سقطت الحصانات جميعها. وكما كان مقرراً أن يدفع العراق ورئيسه ونظامه ثمن التمرّد على الإرادة الغربية عامة والأميركية خاصة وكذلك الإرادة الصهيونية ، أصبح من واجب كل بلد أن يصفي حساباته مع خصومه السياسيين الذين "تمادوا" في جرأتهم  وتوجيه الانتقاد والنقد له ولسياساته . وكانت "الديمقراطية" الغربية هي الشعار واليافطة . والتقط ممثلو البلدان في غرفة العمليات الأمنية في أثينا كغيرهم في الغرف المماثلة في العواصم الغربية الأخرى الفرصة للانتقام من خصومهم كذلك . ومع اتخاذ قرار العدوان وتحديد ساعة الصفر أُطلق العنان لـ"الديمقراطية" الغربية لتعربد وتصول وتجول كيفما تشاء وتهوى . كانت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة والكيان الصهيوني وبلدان عربية وثيقة الصلة بواشنطن إضافة إلى البلد المُضيف ممثلين في غرفة العمليات الأمنية "حسنة الصيت والسمعة" تلك . ومع اتخاذ القرار وتحديد ساعة الصفر انتشر رجال مخابرات تلك البلدان على عجلٍ سعياً وراء "خصومهم" من الشبان العرب لاصطيادهم  والحصول على أوسمة رفيعة من الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني وترقيات من بلدانهم مقابل ذلك . كله جرى في ظل "الديمقراطية" الغربية التي لطالما تغنت بها بلدان الغرب وسعى الرئيس جورج بوش الأب وراء تطبيقها بل فرضها في الوطن العربي ، كما سعى "سرُ أبيه" الرئيس جورج بوش الابن وراء تطبيقها وفرضها على الوطن العربي ، لكن بأكثر حدة  وصرامة وحماقة وكراهية وعداوة . فأيام الأب كان العالم ثنائي القطبية أما الآن وفي عهد الابن الذي أوشك على الانتهاء فالقطبية واحدة ومحصورة بالولايات المتحدة دون سواها .

بدأ العدوان وبدأت "الديمقراطية" الغربية تعبر عن ذاتها بشراسة ما بعدها شراسة

 مع فجر 17 يناير/ كانون الثاني 1991 بدأ العدوان وألقت الطائرات الأميركية والغربية حِممها وجميع أنواع قنابلها فوق العراق وفي المنطقة الحدودية مع الكويت ، كما وجهت البوارج جميع أنواع صواريخها باتجاه العراق والمنطقة الحدودية أيضاً ، وتحوّلت منطقة الخليج إلى جحيم حقيقي أتى على الأخضر واليابس والبشر والشجر والحجر. القنابل والصواريخ الأمريكية والغربية أتت على كل ما كان يتحرك في العراق وعلى حدوده من الأهداف البشرية والآلية ، بكل ما امتلك واختزن أصحابها من حقد على العراق والوطن العربي . تحول العراق بمنطقته الحدودية إلى مقبرة حقيقية مفتوحة للجثث المحترقة ، كما أن الآليات العسكرية والمدنية تحولت إلى ركام من المعادن المُحطمة والمحترقة . ومع بدء العدوان في فجر ذلك اليوم ، استُنفرت غرفة العمليات الأمنية في أثينا كما استُنفرت جميع غرف العمليات الأمنية في بلدان الغرب "الديمقراطية ، استنفرت بشراسة ما بعدها شراسة . ومع قصف تل أبيب بالصواريخ العراقية مع صبيحة اليوم التالي ، رفعت غرفة العمليات في أثينا مثلها مثل غرف العمليات في العواصم الغربية الأخرى من درجة استنفارها وتأهبها إلى الحد الأقصى ، وبدأ رجال المخابرات في استدعاء ، بل القبض على كل من أشَّرَ إليه أركان تلك الغرفة ، وبالأخص العرب . كان صديقي يتناول الغداء مع واحدٍ من رجال استخبارات البلد العربي المُمثل في غرفة العمليات كان قد قَدَم نفسه له كرجل أعمال قادم من الولايات المتحدة الأميركية ويريد الإعلان عن مشاريعه في الصحيفة العربية "المذكورة" التي كان صديقي يراسلها . كان صديقي يتناول الغداء مع "رجل الأعمال" الاستخباراتي بناءً لدعوة مبكرة وعاجلة على ما بدا حتى يكون تحت عين الغرفة الأمنية وفي متناول أيدي الممثلين فيها. اتصل أبناء صديقي به على عجل وأبلغوه بضرورة العودة إلى البيت لأمر عاجل وبناء لتعليمات من رجال المخابرات. استأذن من مُضيفه الاستخباراتي ليستقبله رجال المخابرات على الباب ويطلبوا منه مرافقتهم مصحوباً بإقامته وجواز سفره بذريعة أن وزير الأمن ينتظره في الوزارة لأمرٍ هام. كانت الوزارة تعُجُ بالعرب وبالأخص الفلسطينيين ممن أوقفتهم أجهزة الأمن والطوارئ . قيلَ لصديقي يومها أنه مهدد بالقتل وأن الوزارة بصدد التحفظ عليه مؤقتاً لحمايته والحفاظ على سلامته . استضافوه في غرفة مزودة بهاتف لإجراء مكالماته الهاتفية ، وكانت مفتوحة على بهو يمتلئ بالموقوفين العرب وبالأخص الفلسطينيين ممن كانوا يقيمون في اليونان بحكم أعمالهم أو دراساتهم الجامعية . أجواء من "الديمقراطية" المتناهية كانت تُخيم على وزارة الأمن في ذلك اليوم الذي أعلن فيه رئيس الوزراء اليوناني في حينه قسطنطين ميتسوتاكيس أنه "سيكنّس أثينا من العرب وينظفها منهم" ، وهذا تعبير غربي "ديمقراطي" أيضاً !! ومع ساعات الليل الأخيرة ساقوا صديقي إلى زنزانة مليئة بالموقوفين العرب معظمهم من الفلسطينيين ، فأيقن عندها أنه سيكون ضيفاً ثقيلاً على "ديمقراطية" اليونان وأن ما ينتظره سيكون أعظم وأخطر . في حينه كانت وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية تبث خبر اعتقال صديقي وقرار الحكومة القاضي بترحيله ، وفق ما علم فيما بعد . ظهر اليوم التالي وبدل أن يتمَ الإفراج عنه حسبما قيل له كذباً وبهتاناً ، اقتادوه إلى سيارة تحمل لوحة من اللوحات التي كان قد دونها إبانَ فترة متابعته بعد احتلال الكويت توجهت به إلى المطار مصحوبة بآلية مصفحة تابعة للأمن اليوناني . أدخلوه إلى مُدرج المطار عِبرَ بوابة جانبية لتحاشي الحشد الإعلامي الذي كان ينتظره في بهو المطار. أدخلوه إلى المدرج ومن ثم ساقوه باتجاه طائرة كانت وجهتها إلى ليبيا التي لم يسبق له أن زارها برغم عديد الدعوات التي كانت توجه إليه أثناء احتفالات الفاتح من سبتمبر/أيلول والتي لم يُلبِ واحدة منها . حاول الامتناع وطلب تسفيرهُ إلى لبنان أو الأردن أو يوغوسلافيا ، فكان الرفض وتخييره بين الطائرة المتوجهة إلى ليبيا أو طائرة "العال" الصهيونية التي كانت متوقفة على مسافة ليست ببعيدة . كانوا يعنون ما قالوه له ولم يكن ذلك من باب التهديد والتخويف . في النهاية دفعوا به دفعا بكل ما تحمله "الديمقراطية" الغربية من وحشية وخشونة وعدم كياسة ولباقة إلى داخل الطائرة . نعم كان ذلك الدفع من "آليات الديمقراطية" الغربية !! لم يُسمح لصديقي أن يودع عائلته أو أن يمرّ على بيته للحصول على بعض الملابس والنقود أو كتابة توكيل لزوجته للتصرف في ضرورات المنزل والعائلة "النقدية" . دخل الطائرة بالملابس التي كان يرتديها وفي جيبه آلاف الدراخمات ـ العملة اليونانية قبل اعتماد اليورو ـ التي لم يكن لها قيمة خارج اليونان لتعذر استبدالها بعملات أخرى . هي "الديمقراطية" الغربية بعينها التي يريدون تصديرها للوطن العربي أو فرضها بقوة الترهيب ، "ديمقراطية إذلال الكرامة والإرادة والروح عند الإنسان العربي . نصف ساعة أو أكثر قضاها صديقي في الطائرة وحيداً قبل أن يتدافع الدبلوماسيون العراقيون وعائلاتهم إلى داخلها مرحلين أيضاً ، تنفيذاً لقرار دولي شمل جميع البعثات الدبلوماسية العراقية في العالم وقضى بتخفيضها إلى الحد الأدنى . وهال صديقي أن يعرف منهم أن اسمه كان مدرجاً أيضاً على القائمة الدبلوماسية التي سلمها وزير الخارجية اليوناني للسفير العراقي ، قائمة الدبلوماسيين غير المرغوب في بقائهم فوق الأراضي اليونانية ، علماً أن صديقي لم يكن في يوم من الأيام دبلوماسياً ، لا عراقياً ولا فلسطينيا ً، ولم يكن حتى دبلوماسياً بطبعه وتعامله مع الآخرين . لكنها الديمقراطية اليونانية التي تمثّل وجهاً من وجوه "الديمقراطية" الغربية التي تعمل على وضع العربي في القالب الذي تريد وتهوى.. المهم أن يتشكل ذلك ويتواءم مع آليات ومتطلبات تلك الديمقراطية البائسة . وصل صديقي إلى لبيبا مع انفراط عقد مظاهرة المليون التي تصدرها في 19 يناير/ كانون الثاني 1991 في طرابلس العقيد معمر القذافي تأييداً للعراق ورفضاً للحرب ضده . وصل وأحسنت وفادته وضيافته . أيام قلائل بعدها انتقل إلى تونس للالتحاق بأبناء جلدته الذين كانوا ما يزالون في تونس كواحدة من المنافي الفلسطينية . هناك عرف أن مئات بل آلاف العرب جُلهم من الفلسطينيين الذين اعتنقوا الفكر القومي العربي أو تعاطفوا معه قد سبقوه مُرحلين إليها من اليونان وبلدان غربية "ديمقراطية" أخرى كثيرة ، لا لسببٍ إلا لأن الفكر القومي العربي لا يتوافق مع هواهم ويتعارض بل ويتصادم مع متطلبات "الديمقراطية" الغربية !!                                                    

 إنها حكاية الإنسان العربي مع ديمقراطية "الحرباء" الغربية !!

حكاية صديقي مع "الديمقراطية" الغربية التي لم تزل تؤرق جفونه وتقض مضجعه وتُنغص عليه أحلامه حتى أحلام اليقظة منها ، والتي لم يزل طعمها تحت أسنانه حتى اليوم ، هي حكاية عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 . أما حكايات بل مآسي عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة بعد ذلك التاريخ مع تلك الديمقراطية ، فهي أدهى وأمر وأكثر إيلاماً. وإذا كانت الكرامة والإرادة والروح العربية قد تعرضت للإذلال والمهانة قبل ذلك التاريخ ، فهي معرضة الآن للقتل والفتك والإبادة . هذا إذا قُدّر للكيان الصهيوني أن يحافظ على استئثاره أو يستأثر أكثر فأكثر بملف السياسة الغربية وبالأخص الأميركية في الوطن العربي . وكذا الحال مع "الديمقراطية" الغربية وبالأخص الأميركية ، وهي بيت قصيدنا هنا . فهذه "الديمقراطية" التي كانت مضرب مثل في العقود الأخيرة من القرن الماضي ومغناطيساً يجذب الناس وبالأخص من العالم الثالث إليها ، فقدت بريقها مع بداية العقد الأخير من ذلك القرن وأصبحت بلا جاذبية تُذكر. فهي بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تحولت إلى "حرباء" تتلون وفق متطلبات الظروف وضرورات السياسة الاستعمارية - الاستيطانية التوسعية الجديدة. إنها "الديمقراطية" التي تأخذ تارةً لغة الدفاع عن حقوق الإنسان كما هو كان الحال في الصين ، وتأخذ تارة أخرى لغة مكافحة الإرهاب والدفاع عن حقوق المرأة كما كان الحال في أفغانستان ، وتأخذ تارة ثالثة لغة مصادرة أسلحة الدمار الشامل المزعومة لتدميرها لخطرها على السلم والاستقرار والأمن في العالم كما كان الحال في العراق ، وتأخذ تارة رابعة لغة الدعوة إلى تطوير الأنظمة وتغيير بنيتها لتنتج ثقافة التسامح بدلاً من إنتاج ثقافة أصولية تشكل تربة خصبة للإرهاب" كما يزعم الغرب وفي مقدمه الولايات المتحدة طبعاً . وقبل هذه مجتمعة يجب أن لا ننسى وجه هذه "الديمقراطية" المكشر عن أنيابه بشراسة واستمرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ترى إلى متى سيستمر العرب على ما هم عليه من استسلام وإذلال مُهينين أمام هجمة "الديمقراطية" الغربية وبالأخص الأميركية ـ الصهيونية المشتركة المزعومة؟!!

حكاية عربي مع "ديمقراطية الغرب" بدأت في عام 1991 ولم يزل صداها يدوي في عام 2008 الجاري ولا يعلم مستقراً لها أو لصداها إلا الله تعالى.

محمود كعوش

كاتب وباحث مقيم في الدانمارك 

kawashmahmoud@hotmail.com

kawashmahmoud@yahoo.co.uk
http://elw3yalarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2972

رسالة مفتوحة إلى ياسر عرفات في ذكرى رحيله...........بقلم : محمود كعوش

رسالة مفتوحة إلى ياسر عرفات في ذكرى رحيلهشعبك يفتقدك يا أبا عمار
أربعة أعوام مرت على رحيل الرئيس الفلسطيني الأول ياسر عرفات،لربما أنها كانت الأخطر والأسوأ في تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث بعد نكبته الكبرى في عام 1948.فقد تعرضت الساحة الفلسطينية خلالها لكثير من الأعاصير والزلازل والهزات والكوارث غير الطبيعية وغير المألوفة كان أبلغها وأخطرها على الإطلاق ما حدث في قطاع غزة من اقتتال بين اخوة الدم والسلاح أدى بالنتيجة إلى قيام فريق بإقصاء فريق آخر واستئثاره بمقادير ومقدرات القطاع وسكانه وعزلهما بصورة شبه كلية عن الضفة الغربية المحتلة وسكانها في عملية تقطيع أوصال جديدة للوطن وتشتيت آخر لمواطنيه،ليس من قبيل المبالغة القول بأنها تسببت،عن قصد أو غير قصد،في إعادة القضية الفلسطينية إلى 

المربع الأول الذي كانت قد انطلقت منه قبل ستين عاماً.

أربعة أعوام عجاف مرت على رحيله المفاجئ ولم يزل السبب الحقيقي لذلك الرحيل لغزاً محيراً أو أنه أُريد له أن يبقى طلسماً بلا حل،في حين يتزايد اقتناع الفلسطينيين داخل وخارج الوطن بأنه قد اغتيل غدراً عن طريق دس السم الزعاف في جسده الطاهر، وأن الصهاينة هم من ارتكبوا تلك الجريمة النكراء بإيعاز وتشجيع ومباركة من حكومة الولايات المتحدة أو بتواطؤٍ منها في أقل تقدير،بالنظر إلى التهديدات المتكررة له بالقتل من قبل رئيس حكومة كيان العدو السابق وعميد مروجي الإرهاب الرسمي في العالم أرئيل شارون وبعض معاونيه وحالة الحصار الخانق التي تم فرضها على مقره في رام الله من قبل حكومتي تل أبيب وواشنطن وحكومات عواصم غربية متآمرة وعربية متواطئة.

فبالعودة قليلاً إلى الوراء واستذكار ما حدث قبل ثماني سنوات،يمكن الخُلوص إلى القول بأنه بعدما فشلت سياسة "كسر الحنك ولي العنق" الأميركية مثلما فشلت من قبلها سياسة "العصا والجزرة" الأميركية أيضاً في ثني الراحل الكبير عن مواقفه الوطنية  والقومية الثابتة من القضية الفلسطينية وقضية الصراع العربي الصهيوني بشكل عام إبان ترؤسه الوفد الفلسطيني الذي شارك في مفاوضات كامب دافيد عام 2000،كان متوقعاً أن تتخذ إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون في حينه موقفاً عدائياً،وحتى انتقامياً منه ومن القضية الفلسطينية على حد سواء.وكان متوقعاً أن يتسرب ذلك الموقف من كلينتون إلى خليفته الجمهوري جورج بوش بشكل تلقائي.
 وبفعل تقوقع "الاتحاد السوفييتي السابق" وانحسار نفوذه مع انفراط عقد جمهورياته وخروجه من الساحة الدولية كقوة عظمى ثانية في العالم واستئثار الولايات المتحدة بالقطبية الواحدة،بات من غير المألوف أو المقبول من وجهة النظر الأميركية أن يتلفظ أي زعيم أو قائد في العالم مهما علا شأنه وبلغ نفوذه بكلمة "لا" في وجه الإدارة الأميركية أو رئيسها أو حتى أصغر موظف فيها.فكيف يتأتى إذاً لياسر عرفات وهو في ذلك الحصار الحديدي الذي فُرض عليه في كامب دافيد أن يجرؤ على قول "لا" بالفم الملآن لرئيس أكبر وأعظم دولة بل الدولة العظمى الوحيدة في العالم ولكل طاقم إدارته الذي كان يتشكل من عتاة المحافظين الجدد والذي كان يشرف على المفاوضات الفلسطينية الصهيونية ويزعم رعايته لها؟ وطالما أنه قال ذلك فعلاً فقد كان لزاماً عليه هو وشعبه أن يدفعا الثمن غالياً،وهو ما حدث فعلاً!!
سُجل ل "الختيار" أنه حافظ أثناء تلك المفاوضات الموجهة والمعقدة على كامل صلابته ورباطة جأشه وظل متمسكاً بالثوابت الفلسطينية وبالأخص سيادة الفلسطينيين على القدس المحتلة عام 1967 بما فيها المسجد الأقصى المبارك.وكما كان عهدنا به دائماً وأبداً لم يخضع ولم ينحن أمام كل الضغوط الأميركية والدولية والعربية التي مورست عليه وعلى الوفد الفلسطيني الذي كان يرافقه والتي كانت تفوق قدرتهما على الاحتمال،خاصة عندما تأكد لهما أن الرئيس بيل كلينتون قد انتقل من دور الوسيط الذي يفترض أن يكون نزيهاً وحيادياً إلى دور الشريك الكامل للوفد الصهيوني الذي كان يرأسه رئيس حكومة تل أبيب آنذاك أيهود باراك،وأصبح همه الرئيسي تنفيذ الأجندة الصهيونية على حساب القضية الفلسطينية والحقوق الفلسطينية المشروعة التي أكدتها القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة وفي مقدمها 181 و194 و242 و338 ومرجعية مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام.
 وما من شك أن بيننا من تابعوا تلك المفاوضات عن قرب ولا زالوا يتذكرون حجم الإساءة البالغة التي وجهتها وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة كلينتون حينذاك الصهيونية مادلين أولبرايت للرئيس الفلسطيني عندما انفجرت في وجهه بكل عهر وفجور ووقاحة وحقد مذكرة إياه بنبرة ملؤها التهديد والوعيد بأنه "في حضرة رئيس أكبر دولة في العالم"، متناسية أنها كانت هي ورئيسها وكل طاقم إدارتهما في حضرة زعيم وقائد واحدة من أشرف وأنبل وأسمى الثورات التي عرفها التاريخ على مر العصور.وما من شك أيضاً في أن ذلك الموقف الوطني والتاريخي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وما خلفه من أثار وانطباعات إيجابية كثيرة في نفوس الفلسطينيين على مستوى السلطة والشعب داخل وخارج الوطن باعتبار أنه شكل ضربة قاسمة للسياسة الأميركية المنحازة للكيان الصهيوني والعاجزة عن القيام بدور الوسيط النزيه والحيادي في عملية السلام المرجوة قد مثل "القشة التي قسمت ظهر البعير" في موقف الولايات المتحدة وإدارة الرئيس بيل كلينتون من الرئيس الفلسطيني والقضية الفلسطينية على حد سواء.
فالرئيس كلينتون الذي كان يطمح وقتها إلى تتويج ولايته الثانية بإنجاز سياسي دولي من العيار الثقيل كتوقيع اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والصهاينة دون ما اعتبار منه لماهية تلك الاتفاقية يخوله الترشيح للحصول على جائزة نوبل للسلام،راعه أن يحرمه الرئيس الفلسطيني الراحل بذلك الموقف المبدئي من الأمل في تحقيق حلمه،مع أن الحقائق دللت فيما بعد على أن موقف الرئيس عرفات لم يكن السبب المباشر أو غير المباشر وراء انحسار وتضاؤل آمال كلينتون في الحصول على الجائزة المبتغاة بقدر ما كانت الخديعة التي أوقعه في شركها شريكه وحليفه أيهود باراك هي السبب عندما أقنعه بأن "الظروف السياسية الدولية والإقليمية قد نضجت لإجراء تلك المفاوضات وأن السلطة الفلسطينية قد بلغت من اليأس والقنوط وقلة الحيلة ما أصبح يجعلها مستعدة للقبول بأي حل ممسوخ يُعرض عليها"!!فعلى خلفية تلك الخديعة جاءت الدعوة المرتجلة فيما بعد لمفاوضات الدم التي شهدها منتجع "شرم الشيخ" المصري في ظل المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيونية ضد الفلسطينيين إثر الاقتحام الشاروني الهمجي للمسجد الأقصى المبارك بتدبير من باراك وحماية من حكومته وموافقة من حكومة واشنطن.وكما كان متوقعاً فقد أفشل باراك تلك المفاوضات تماماً كما أفشل من قبل مفاوضات كامب دافيد،الأمر الذي حال دون حصول كلينتون على جائزة نوبل للسلام وحرمه هو الآخر من العودة إلى السلطة بعد خسارته المدوية في الانتخابات العامة الصهيونية أمام زعيم حزب الليكود آنذاك الإرهابي آرئيل شارون.
 وبرغم تيقن الرئيس بيل كلينتون وإدراكه لمسؤولية باراك الكاملة في فشل مفاوضات "كامب دافيد" و"شرم الشيخ" فيما بعد وقناعته التامة التي لا يلتبسها أي شك بحسن نوايا الرئيس الفلسطيني  ياسر عرفات وسعيه الصادق والأمين وراء السلام العادل والمشرف،إلا أنه ظل على موقفه المعادي لعرفات والذي انتقل بناءً لتوصيةٍ رئاسية أميركية في ما بعد إلى خليفته جورج بوش الابن،الذي بدوره عمل بنصيحة المحافظين الجدد والمسيحيين الصهيونيين في الولايات المتحدة والإرهابي آرئيل شارون فنفى عن الرجل بشكل اعتباطي وأهوج صفة الشراكة في مفاوضات السلام المتعثرة بين الفلسطينيين والصهاينة.يومها مثل ذلك الموقف "كلمة السر الصهيونيةـ الأميركية" الخاصة بمستقبل الرئيس الفلسطيني المعنوي و"الجسدي"!!ومن سوء الطالع أن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الدامية جاءت هي الأخرى لتمثل فرصة "نادرة" للإرهابي آرئيل شارون الذي استغلها بتأييد ودعم من المحافظين الجدد والمسيحيين الصهيونيين أبشع استغلال ليتفنن في ممارسة الضغوط تلو الضغوط على السلطة الفلسطينية بصورة عامة وعلى عرفات بشكل خاص. ولطالما تمنى له الموت من قبل وعمل من أجله لما كان جنرالاً في الجيش وعندما أصبح وزيراً وبعدما أصبح رئيساً للحكومة.
 يلتقي جميع العقلاء حول حقيقة أنه بعدما شرّف الزعيم الخالد ياسر عرفات العرب بتفجيره الثورة الفلسطينية المباركة في الفاتح من كانون الثاني 1965 وزادهم شرفاً فوق شرف بنصر "الكرامة" في 21 مارس / آذار 1968 الذي أخرجهم من ذهول هزيمتهم،كان من الطبيعي أن يتحول إلى هدف دسم لمؤامرات شرسة يحيكها ضده جميع جنرالات الكيان الصهيوني وفي مقدمهم آرئيل شارون،ومثله كذلك إخوانه في قيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" التي تزعمت النضال الوطني الفلسطيني منذ عام 1965. ولما كان متعذراً علي سرد جميع المؤامرات ومحاولات الاغتيال التي تعرض لها الزعيم الفلسطيني "أبو عمار" ونحن نُحيي ذكرى أربعة أعوام على رحيله،فإنني أرى أن من الضروري التذكير بالكم الهائل من الجواسيس الذين زرعهم جنرالات الكيان الصهيوني العنصري بمن فيهم شارون بين ظهرانيه واستطاع بحسه الأمني العالي ويقظة المحيطين به اكتشافهم وإحباط محاولاتهم الدنيئة.كما أرى أن من الضروري التذكير كذلك بالهجمات الإجرامية للطيران الصهيوني التي استهدفت أماكن تواجده في العاصمة اللبنانية خلال اجتياح عام 1982 وحصار بيروت الذي استمر ثلاثة أشهرٍ متواصلة، والتي نُفذت بأوامر مباشرة من الإرهابي آرئيل شارون نفسه الذي كان وقتذاك وزيراً للدفاع في حكومة تل أبيب.وهل استهدفت جريمة الإغارة على حمام الشط في العاصمة التونسية،على سبيل المثال لا الحصر،أحداً غير القائد الذي قض مضاجع جميع الصهاينة بمن فيهم الإرهابي شارون؟!وهل كان لغير الصهاينة وعلى رأسهم شارون كل المصلحة في غياب عرفات عن مسرح العمل السياسي والحياة كلها؟!فكل الأدلة والوقائع والأحداث السياسية التي جرت منذ قيام ياسر عرفات بتفجير ثورته وحتى لحظة ترجله ورحيله الغامض "في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الخميس الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 2004 " وبالأخص أثناء حصاره في مقر الرئاسة،أشرت بأصابع الاتهام في جريمة قتله إلى جنرالات الكيان الصهيوني وبالأخص رئيس وزرائها آنذاك الإرهابي الكبير آرئيل شارون،بتآمرٍ أميركي وتماهٍ غربي وتواطؤ عربيٍ.
لقد افترى الجميع علي "الوالد" في مماته كما افتروا عليه في حياته قبل ذلك!! نعم افتروا عليه في حياته عندما جعلوا من الإرهابي  شارون "داعية سلام" واعتبروه هو "عقبة في طريق السلام"!! وهو مستمرون في الافتراء عليه حتى الآن وهو موارى الثرى،لأن "العقبة" المزعومة اغتيلت ومضى على اغتيالها أربعة أعوام عجاف ولم يُقم لا الإرهابي القديم "داعية السلام" ولا خليفته الحالي الإرهابي الأكبر أيهود أولمرت خلالها بأي خطوة على طريق السلام،بل على العكس من ذلك فقد عاث الاثنان في الأرض فساداً ما بعده فساد.نعم عاش الراحل الكبير الردح الأخير من حياته مُفترىً عليه وقضى مُفترىً عليه.عاش وقضى مُفترىً عليه من إخوانه ورفاقه وشعبه وأمته كما من الجنرالات وكبيرهم وخليفته والمتآمرين والمتواطئين معهم والمتسترين على جرائمهم،وسيظل مفترىً عليه طالما أن رحيله بتلك الطريقة بقي لغزاً بلا حل،وطالما أن السلطة الوطنية الفلسطينية بقيت محجمةً عن إصدار البيان الشجاع الذي ينتظره الشعب الفلسطيني بفارغ الصبر والذي يُفترض أن توضح فيه كل الملابسات التي أحاطت بالمرض المفاجئ لزعيمهم وعلاجه في مستشفى بيرسي الفرنسي ووفاته فيه،وأن تسمي فيه الجهات التي وقفت وراء جريمة اغتياله والأشخاص الذين نفذوها بدم بارد في وضح النهار!!
وبما أن عشرات المؤلفات والدراسات ومئات المقالات والتحليلات السياسية التي نُشرت خلال الأعوام الأربعة الماضية وتناولت لغز رحيل "الرقم الفلسطيني الصعب" ياسر عرفات قد أضافت القناعة تلو القناعة لدى أغلبية الفلسطينيين بأن الشهيد الغالي قد مات مسموماً وأن الصهاينة وقفوا وراء اغتياله بتشجيع ومباركة من الولايات المتحدة وتماهٍ وتواطؤ من آخرين كما أسلفت سابقاً،فإنه ما لم تضع السلطة الوطنية الفلسطينية ً "العتيدة"الحقيقة كاملة بين أيدي الفلسطينيين سيبقى الراحل الكبير مُفترىً عليه.نعم سيبقى عرفات المفترى عليه حتى يتم إنصافه بالكشف عن سر عشائه الأخير ويلقى الذين ارتكبوا جريمتهم بحقه والذين وقفوا وراءهم العقاب الذي يستحقون.وسيبقى دمه أمانة في أعناق الذين أحبوه حتى يُكشف النقاب عن سر اللغز الذي أحاط برحيله.ترى هل يتحقق ذلك ولو متأخراً،أم أن رحيله سيبقى لغزاً محيراً إلى أمد لا يعرفه إلا الله والعارفون ببواطن الأمور؟ألف رحمة عليك يا من كنت والداً عطوفاً لجميع الفلسطينيين وأخاً صادقاً لكل العرب وأحرار العالم.ألف رحمة عليك أيها الغائب الحاضر،الغائب عنا بجسدك والحاضر بيننا بروحك الطاهرة ويا من ستبقى حاضراً في قلوب وعقول أبناء شعبك وأمتك الأوفياء وأصدقائك الصدوقين في مختلف بلدان العالم إلى الأبد.يعلم الله كم يفتقدك شعبك يا أبا عمار!!نعم يفتقدك شعبك أيها الصادق الأمين يا من كنت صمام أمان قضيته ووحدته الوطنية إنه يفتقدك كما لم يفتقد شعب في العالم قائداً أو زعيماً أو رئيساً سابقاً له،كم يفتقدك!! 
 نوفمبر / تشرين الثاني 2008 
kawashmahmoud@yahoo.co.uk
kawashmahmoud@hotmail.com
 كاتب وباحث مقيم في الدانمارك
http://elw3yalarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=3201

أربعون عاماً على حريق المسجد الأقصى.................محمود كعوش


أربعون عاماً مرت على جريمة حرق الأقصى:

وحال القدس من سيئ إلى أسوأ !!


أربعة عقود بالتمام والكمال مرت على وقوع الشطر الشرقي لمدينة القدس المباركة في قبضة الاحتلال الصهيوني الغاشم في أعقاب عدوان الخامس من حزيران 1967 و"الإسرائيليون" ماضون في غيهم وسعيهم المحموم والحثيث لتغيير معالم المدينة المقدسة والعبث بتراثها الحضاري رغبةً في تهويدها وإلغاء هويتها العربية، في تحد واستفزاز سافرين ومهينين لمشاعر أبنائها من الديانتين الإسلامية والمسيحية بشكل خاص، وتجاهل وعدم اكتراث متعمدين للعالمين العربي والإسلامي بشكل عام. وقد ظل هذا الأمر على الدوام موضع استنكار دولي صارخ عكسته سلسلة من القرارات الدولية المتلاحقة التي صدرت عن منظمة الأمم المتحدة وفيض من بيانات الشجب والإدانة التي أطلقها قادة عالميون، إلى جانب الرفض العربي والإسلامي وبالأخص الفلسطيني الذي ما برح يعبر عن نفسه بشتى الصور والأساليب والوسائل التي يجيزها القانون الدولي، بما في ذلك ممارسة المقاومة المسلحة والقيام بالانتفاضات الشعبية العارمة، التي كان آخرها انتفاضة الأقصى المباركة التي تفجرت في 28 أيلول 2000 والتي تمكنت من دحر الاحتلال وفرضت عليه الانكفاء عن قطاع غزة في 17 آب 2005.




ولربما أن أكثر ما يدعو للأسى والأسف ويدمي القلوب هو أن المسجد الأقصى المبارك، الذي يُعتبر أولى القبلتين وثالث الحرمين بالنسبة للمسلمين في العالم، بقي من أولويات أهداف التغيير عند "إسرائيل" بشكل دائم ومستمر، بزعم وجود جبل الهيكل اليهودي تحت أرضه تحت سمع وبصر العالم أجمع بما في ذلك النظام الرسمي العربي!! وقد اتخذت عمليات تغييره أشكالاً مختلفة منها العبث بمحيطه وباطن أرضه والتحدي السافر لرواده وعمليات الاقتحام المتتالية له، التي قام بها "الإسرائيليون" وما زالوا يقومون بها بشكل أحمق ومجنون حتى أيامنا هذه. فمنذ وقوع القدس الشريف في قبضة الاحتلال في اليوم الثاني لعدوان حزيران1967 أي قبل إثنين وأربعين عاماً وبضعة أسابيع، أقدم "الإسرائيليون" على اقتحام ساحة المسجد من حين لآخر وتدنيسها من خلال إقامة حفلات الغناء والرقص والمجون والخلاعة بداخلها. لكن اقتحام الإرهابي الصهيوني الأرعن آرئيل شارون مع نفر من أعوانه الأشرار في 28 أيلول 2000 ساحة المسجد بتسهيلٍ وحمايةٍ من حكومة حزب العمل التي كان يرأسها آنذاك الإرهابي الصهيوني الآخر أيهود باراك، كان الأسوأ من نوعه والأكثر استفزازاً وتحدٍ لمشاعر العرب والمسلمين بمن فيهم الفلسطينيين طبعاً. وقد شكل ذلك الاقتحام الهمجي لساحة المسجد الشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة الشعبية الثانية التي حملت اسم المسجد المبارك.

شرعت "إسرائيل" في حملاتها التغيرية والتهويدية المسعورة للمسجد الأقصى مع احتلال الشطر الشرقي للمدينة المقدسة في حزيران 1967، واستمرت في ظل "اتفاقية أوسلو" اللعينة وما أعقبها من مفاوضات وتفاهمات عقيمة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" تارة برعاية رباعية منحازة وطوراً برعاية أميركية أكثر انحيازاً، وتصاعدت وتيرتها في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة التي دأب جنودها على شنها على الفلسطينيين الآمنين بطريقة عدوانية متواصلة. وحصلت تلك الحملات قبل البدء ببناء جدار الفصل العنصري، واستمرت في ذروة بنائه وبعد الانتهاء منه، ولا يبدو أن لها نهاية أو مستقراً طالما أن المطامع "الإسرائيلية" التوسعية قائمة ومستمرة في ظل انحياز أميركي وتواطؤ أوروبي وخضوع رسمي عربي كامل ومهين للاملاءات الأميركية ـ "الإسرائيلية" المشتركة. وقد اكتست هذه الحملات العدوانية وجوهاً وأقنعة عديدة ومتنوعة، وتم التعبير عنها بوسائل وسبل شريرة وشيطانية مختلفة، ومن خلال العديد من الحلقات والمحطات التي تركت آثارها المؤلمة والموجعة على العرب والمسلمين، وبالخصوص على الفلسطينيين وبأخص الخصوص على المقدسيين، بحيث يصعب معها التكهن باحتمال محوها من ذاكرتهم في المستقبل. ولربما كان أبرزها محاولة الإجهاز على المسجد الأقصى المبارك عن طريق الحرق في 21 آب 1969 والتي تتصادف ذكراها التاسعة والثلاثون هذه الأيام. تلك المحاولة التي وقف وراءها نفر من المتطرفين "الإسرائيليين" الذين ما أبطنوا ولا أظهروا غير الحقد والكراهية للعرب والمسلمين، جرت بإيعاز وتشجيع من الدوائر السياسية والأمنية "الإسرائيلية" الرسمية. ففي تلك المحاولة الإجرامية، أحرق المتطرفون "الإسرائيليون" المسجد بطريقة لا يمكن لسلطات الاحتلال أن تكون بمنأى أو معزل عنها. فقد قامت هذه السلطات بقطع المياه عن منطقة الحرم فور ظهور الحريق، وحاولت منع المقدسيين وسيارات الإطفاء التي هرعت من البلديات العربية من الوصول إلى المنطقة والقيام بعملية الإطفاء. وكاد الحريق أن يلتهم قبة المسجد المبارك لولا استماتة هؤلاء الأبرار في عملية الإطفاء، إذ اندفعوا اندفاعة الأبطال عبر النطاق الذي ضربته قوات الاحتلال "الإسرائيلية" حتى تمكنوا من إكمال مهمتهم، لكن بعد أن أتى على منبر المسجد وسقوف ثلاثة من أروقته وجزءٍ كبير من سطحه الجنوبي. وفي محاولة دنيئة ووقحة للتعمية على جريمتها، ادعت "إسرائيل" يومها أن "تماساً كهربائياً تسبب في الحريق"، إلا أن تقارير المهندسين الفلسطينيين دحضت ذلك الإدعاء، وأكدت أنه تم بفعل أيد مجرمة أقدمت على تلك الفعلة الشنيعة عن سابق إصرار وتصميم وترصد، الأمر الذي أجبر قادة العدو على التراجع عن ادعائهم وتحويل الشبهة إلى شاب أسترالي يدعى دينيس مايكل وليام موهان. واعتقلت "إسرائيل" ذلك الشاب، وكان يهودياً أسترالياً، وتظاهرت بأنها ستقدمه للمحاكمة في عملية احتيال التفافية لامتصاص غضبة الفلسطينيين وإدانة العرب والمسلمين والالتفاف على المنظمة الدولية، إلا أنها بدل أن تفعل ذلك أطلقت سراحه متذرعة بأنه كان "معتوهاً". وهكذا قيدت "إسرائيل" جريمتها الإرهابية النكراء تلك ضد معتوه، كعادتها بعد كل جريمة إرهابية يرتكبها جنودها ومواطنوها بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم الإسلامية والمسيحية.

 قيام "إسرائيل" بارتكاب جريمة حرق المسجد الأقصى ومعالجتها بطريقة إستفزازية ومهينة للعرب أثارا في حينه هياجاً كبيراً في الأوساط العربية والإسلامية بما فيها الفلسطينية طبعاً لما يمثله المسجد كمكان ديني مقدس وواحد من أبرز معالم الحضارة الإنسانية، الأمر الذي فرض على مجلس الأمن الدولي إصدار قراره الشهير الذي حمل الرقم 271. في ذلك القرار أدان المجلس "إسرائيل" لتدنيسها المسجد، ودعاها إلى إلغاء جميع التدابير التي من شأنها المساس بوضعية المدينة المقدسة. وعبر القرار عن حزن المجلس للضرر الفادح الذي ألحقه الحريق بالمسجد في ظل الاحتلال العسكري "الإسرائيلي" الغاشم. وبعد أن استذكر القرار جميع القرارات الدولية السابقة التي أكدت بطلان إجراءات "إسرائيل" التي استهدفت التغيير في القدس المحتلة، دعاها من جديد إلى التقيد بنصوص اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الذي ينظم الاحتلال العسكري. كما دعاها إلى الامتناع عن إعاقة عمل المجلس الإسلامي في المدينة، المعني بصيانة وإصلاح وترميم الأماكن المقدسة الإسلامية. ويذكر أن القرار الدولي صدر بأغلبية 11 دولة وامتناع أربع دول عن التصويت من ضمنها الولايات المتحدة.

اتفق الكتاب والباحثون العرب على أن حريق المسجد الأقصى المتعمد مثل محطة رئيسية من محطات الإرهاب "الإسرائيلي" وحلقة بارزة من حلقات المسلسل "الإسرائيلي" المستمر للممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية بحق الفلسطينيين وأملاكهم وأوقافهم وأماكن عباداتهم الإسلامية والمسيحية تحت سمع وبصر العالم أجمع، بما في ذلك النظام الرسمي العربي الذي اختار لنفسه أن يظل نزيل غرفة الإنعاش حتى إشعار آخر، بمشيئة أميركية ـ "إسرائيلية" مشتركة لا بمشيئته طبعاً. فمنذ احتلال القدس وحتى الآن، لم يوقف "الإسرائيليون" مجازرهم الإجرامية بحق المصلين في المسجد الأقصى الشريف ولم يكفوا عن محاولة اقتحامه والتهديد بهدمه ونسفه بالمتفجرات وضربه بالصواريخ لإقامة هيكلهم المزعوم فوق أنقاضه. وكانت مجزرة عام 1990 واحدة من المجازر البربرية التي ارتكبها هؤلاء الأشرار بحق من اعتادوا على التواصل مع الله من خلال الصلوات في المسجد الأقصى من منطلق إيماني وحرص أمين ومخلص على تأكيد هوية الأقصى العربية والإسلامية. في تلك المجزرة الرهيبة هدر "الإسرائيليون" دم 22 فلسطينياً غيلة وغدراً وهم في لحظات التضرع إلى رب العالمين. ولم يوقف "الإسرائيليون" الحفريات حول المسجد المبارك وفي باطن أرضه وفي الأماكن المحيطة به لحظة واحدة. فقد تواصلت الحفريات بشكل مسعور ومحموم بذريعة البحث والتنقيب عن آثار هيكل سليمان وذرائع أخرى واهية. ولم تستثنٍ الحفريات بيتاً عربياً أو مدرسة أو دار علم يملكها عربي. وبموازاة ذلك، دأبوا منذ عام 1968 على حفر الأنفاق تحت الحرم القدسي الشريف. ففي ذلك العام شرعوا بحفر نفق عميق وطويل أدخلوا إليه سفر التوراة وشيدوا في داخله كنيساً يهودياً. وبلغت عملية حفر الأنفاق ذروتها في أيلول 1996، عندما أقدموا على حفر نفق يمر أسفل السور العربي للمسجد ويربط بين حائط البراق وطريق الآلام، الأمر الذي أثار في حينه حفيظة المقدسيين وأشعل موجة من المواجهات المسلحة التي اتسعت رقعتها لتشمل جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأسفرت تلك المواجهات عن سقوط 65 فلسطينياً و 15 جندياً إسرائيلياً. وقد حصل كل ذلك في ظل تنامي الحديث عن السلام الكاذب الذي تواتر على خلفيته مؤتمر مدريد المشؤوم واتفاقية أوسلو اللعينة.

ومن الجدير ذكره أنه وفي ظل احتفال الفلسطينيين بتحرير قطاع غزة ودحر سلطة الاحتلال "الإسرائيلية" الغاشمة في مثل هذه الأيام من عام 2005، تعالت أصوات "إسرائيلية" مُنكرة مهددة بقصف المسجد الأقصى بالصواريخ من الجو والبر واقتحامه وتدميره. ففي 6 حزيران 2005، حيث توافقت الذكرى ألـ 38 لاحتلال مدينة القدس ، فشلت مجموعات يهودية متطرفة يرافقها حاخامات ونواب "إسرائيليون" يمينيون وشخصيات "إسرائيلية" شعبية في اقتحام المسجد بشكل جماعي عبر باب الأسباط بعد أن تصدى لها حراسه والمرابطون بداخله ومن وحوله. وليلة التاسع من آب من ذات العام تكررت المحاولة عبر بابي حطة والسلسلة، إلا أنها منيت بالفشل أيضاً. ومنذ الرابع عشر من ذات الشهر والعام الذي توافق مع ذكرى ما يسمونه "خراب الهيكل الثاني"، استأنف المتطرفون اليهود محاولات اقتحام المسجد جماعياً وفردياً. وفي واحدة من تلك المحاولات الإجرامية، ألقت الشرطة "الإسرائيلية" القبض على متطرفين حاولا الدخول إليه عبر بابين مختلفين. وفي الأعوام الثلاثة الماضية 2006 و2007 و 2008 والشهور الماضية من العام الجاري تكررت المحاولات في ذات المناسبات ومناسبات أخرى مختلفة وحتى في خارج المناسبات. وترافقت تلك المحاولات مع تهديدات من أعضاء في الكنيست "الإسرائيلي" طالبوا فيها بتدمير المسجد انتقاماً لقتلاهم و"تحرير" أسراهم لدى المقاومتين الفلسطينية واللبنانية!!

 ويُذكر أنه فيما كانت انتفاضة الأقصى المجيدة لم تزل بعد في أوج توقدها في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، تمحورت المخاوف الفلسطينية بصورة خاصة حول القدس والمخاطر المحدقة بها والمستقبل المظلم الذي يتهدد عروبتها، وذلك لأن "الإسرائيليين" كانوا يعملون على إعادة رسم جغرافيتها بالكيفية التي تلائم طموحاتهم التهويدية والاستيطانية التوسعية. ولطالما تساءلنا حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المدينة المقدسة، وما سيؤول إليه مصير المسجد الأقصى في ظل استهداف المتطرفين اليهود الدائم له. أما وقد جرى ما جرى في القطاع من مواجهات دموية، بين من يُفترض أن يكونوا اخوة ورفاق السلاح في مواجهة العدو المشترك الذي اغتصب أرضهم، أدت إلى ما أدت إليه من أوضاع شاذة أقل ما يمكن أن توصف به أنها مثلت ضربة قاسمة وموجعة جداً لوحدة الوطن والشعب الفلسطينيين على المستويين الإنساني والجغرافي إلى حين لا يعرف مداه إلا الله، فإن المخاوف على مدينة القدس بما فيها المسجد الأقصى تصاعدت وتضاعفت آلاف المرات، وبلغت مبلغاً من الخطورة لم تبلغه من قبل. ترى إلى متى سنظل نتساءل حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المسجد الأقصى والقدس وكل الوطن الفلسطيني من البحر إلى النهر، خاصة بعد أن أصاب الوحدة الوطنية الفلسطينية ما أصابها؟ وهل سيطول أمد التساؤل لستة عقود أخرى!!؟


آب ‏2009

كاتب وباحث عربي مقيم في الدانمارك


kawashmahmoud@yahoo.co.uk
kawashmahmoud@hotmail.com